الأحد، ١٠ أغسطس، ٢٠٠٨

صفاء النفس في جنة "إانترلاكن" السويسرية الساحرة .. مذكراتي الخاصة عن رحلتي إلى سويسرا ( 14 )



كان صباحا سويسريا جميل ابتدأته بمداعبة الخبز الريفي مع الجبن السويسري والعسل ، قمنا بتسليم مفتاح الغرفة إيذانا بالمغادرة دون أن يكون هنالك أي تفيش كما يحدث كثيرا هناك ، توجهنا لمحطة القطار حيث الرحلات على مدار الساعة إلى المدينة المجاورة "انترلاكن" ، كنت أتمنى أن أمكث وقتا أكثر في جنيف لاستنشقها كما استنشقت لندن بمعالمها وشخصياتها ، صعدنا القطار بعدا أن تأكدنا من موعد الرحلة والتي قد تتأخر دقيقة أو دقيقتين أو أكثر بعكس قطارات لندن التي تأتي في الوقت المحدد وتكاد أحيانا أن تقفل أبوابها قبل أن ندخلها صديقي وأنا ، غير أن مايميز قطارات سويسرا عن بريطانيا هو فخامتها وجودتها ، كانت الرحلة إلى العاصة "بيرن" ومن ثم إلى مدينة "انترلاكن" ، نزلنا في محطة بيرن انتظارا للقطار الذي سيقلنا إلى "انترلاكن" ، صادفنا عائلة سورية من أب وأم وأربعة أبناء في ضيافة عجوز سويسرية ، طلبت مني العجوز أن أبعد حقيبتي لتتمكن من الجلوس ، بعدها سألتني عن موطني فأخبرتها أنني من السعودية ، حينها سمعتني المرأة السورية ودخلت معنا في الحوار ، أخبرتني فيما بعد بأنهم قدموا إلى هنا بحثا عن العمل وأنهم تعلموا اللغة الألمانية خلال ثمانية شهور فقط كونوا فيها علاقة جيدة مع العجوز "كريستينا" والتي استضافتهم في رحلة خاصة على إحدى البحيرات السويسرية ، كانت المرأة السورية وزوجها يتحدثون عن أملهم في مستقبل أولادهم والذين سيتقنون خمس لغات بعد إنتهائهم من دراسة المرحلة العليا التي تعادل المرحلة الثانوية لدينا في السعودية ، تولدت لدي لحظتها رغبة عارمة في تعلم اللغة الألمانية والتي تشترك في مفردات كثيرة مع اللغة الإنجليزية فيما لازال الخلاف قائما لدينا حول تأثير تعلم لغة أخرى في المرحلة الإبتدائية على عقيدة الطالب !.

وصلنا "انترلاكن" وما أن خرجنا من محطة القطار حتى تفاجأنا بالمناظر الساحرة والطبيعة الخلابة والهواء المنعش وكثرة السياح ، أزالت النسمات الرقيقة كل هموم وأتعاب السنة الماضية ، كان الفندق قريب جدا من محطة القطار الغربية حيث يوجد محطة قطار شرقية في قرية لاتتجاوز مساحتها أحد أحياء الرياض ، وصلنا الفندق وكالعادة أنهينا الإجراءات بسرعة كبيرة دون توصيات أو أسئلة تطفلية ، لم أستطع أن أقاوم الرغبة في التجول في المدينة في يوم وصولنا ، كانت المدينة صغيرة جدا لكنها تتميز بهدؤها ورقتها التي جعلت منها مدينة مناسبة جدا للإستجمام والراحة وممارسة الهوايات كالتسلق والتزلج والطيران الشراعي ، قررنا الذهاب إلى قمة جبلية تتطل مباشرة على "انترلاكن" وفي طريقنا إلى مدخل القمة شاهدت النهر الذي يخترق المدينة بزرقته التي أدهشتني حيث أنني لم أرى نهرا بزرقته سوى تلك الأنهار التي كنا نرسمها أيام الطفولة في حصة التربية الفنية التي تجاهد البقاء كمادة فنية مع باقي مواد الحفظ ، صعدنا القمة عبر قطار يمر بسكة حديد تحتفل هذا العام بمرور 100 عام على تأسيسها ، تعجبت كثيرا من قدرة هؤلاء قبل 100 عام على تشييد هذه السكة التي تصعد بنا إلى ارتفاع 1300 متر في أقل من ربع ساعة بإنحدار حاد ، وعندما وصلت القمة أسرني جمال من المدينة أو القرية كما يسميها صديقي ، إلتقطت كثير من الصور فيما عيني غير مصدقة لما تشاهد من مناظر ساحرة وهي التي اعتادت لسنوات على مشهد الصحراء التي لا أحبها ولا أفكر أن أحبها .


سألني صديقي عن أول من اكتشف هذا المكان الجميل من العرب ، أخبرته أن العرب لايكتشفون ، لكنني متيقن بأن السائح الخليجي خصوصا ساهم في دعم السياحة في في سويسرا كما أشار تقرير قرأته قبل زيارتي لها ، الخليجي قد يكون من أكثر عملاء فنادق الخمس نجوم ، والخليجي هو الزبون المتردد على محلات الساعات الفاخرة التي أكتفي بمشاهدتها فيما هي في المشهد العربي أغلى وأنفس من الوقت ذاته ، همست في أذن صديقي بأنني لن أشتري ولن أستطيع أن أشتري ساعة بهذا السعر بعد أن شاهدت أسعارها الخيالية .


كان من ضمن خطتنا أن نذهب لأعلى قمة في أوروبا "يونفرو" التي يبلغ ارتفاعها أكثر من 3400 متر في قمة يكسوها الجليد وفي طريق يكسوه اللون الأخضر بلا استثناء ، قمنا بقطع التذكرة لرحلة تزيد على الست ساعات ، صحوت في الصباح الباكر وكلي لهفة لهذه الرحلة التي ستصعد بي لأعلى قمة في جبال الألب الجملية ، وبالفعل لم تكد تكمل الساعة العاشرة دقيقتها الأخيرة حتى حجزت مقعدي في القطار الجبلي ، ومن محطة لمحطة كنا نتوقف لتبديل القطار وكنت أنا أستغلها فرصة في إلتقاط بعض الصور التي أخبرونا أنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة ! إلتقطت الكثير من الصور حتى انتهت بطارية الكاميرا والتي كادت أن تحول رحلتي إلى بؤس لولا أنني تذكرت أنني أحمل جولا بكاميرا والتي لم استخدمها إلا قليلا ، واصلنا الصعود للقمة وفي كل مرة يشتد البرد حتى وصل إلى أقل من درجة الصفر في أعلى القمة البيضاء ، صادفت في طريقي للقمة بعض الأغنام التي تحمل في عنقها أجراسا ذركتني بحياة "هايدي" في قصتها الشهيرة التي جرت أحداثها في جبال الألب تذكرت معها أيام الطفولة الجميلة ، وبعد أن وصلت القمة كنت أرتجف من شدة البرد، دخلنا متحف الثلج الذي كان يحتوي نقوشا بارعة ومتقنة ، التقطت بواسطة جوالي البائس بعض الصور ذات الخلفية المكسوة بالثلج ، في ذات اللحظة أرسل لي أخي رسالة يبشرني فيها بالرياح الرملية التي تمحو كل ذكرى تحمل بياض الثلوج .


كنت أتأمل بجميع جوارحي في المناظر التي صادفتني في طريق الذهاب والإياب ، أصدقكم القول أنني تمنيت أن أملك قيمة عشر ساعات باهضة الثمن من ماركة "رولكس" لأشتري بها كوخا في "انترلاكن" فيما أصحاب الأموال لايفكرون إلا في مضاعفتها على حساب الفقراء ! أعترف لكم أن الريف السويسري قد حدد لي معالم قليلة من جنة الآخرة ، فهم الآن يعيشون الآن في جنة الله في أرضه .


أعترف لكم أيضا بأن مدينة "انترلاكن" مدينة فريدة في حياتي رغم زيارتي لمدن ماليزية كنت أعتبرها الأجمل إلا أن "انترلاكن" بهدوؤها ورقتها وجمالها وسحرها قد استحلت مساحات من قلبي ، لم أصدق أو لا أريد أن أصدق صديقي حين قال لي أن الليلة هي آخر ليلة لنا في "انترلاكن" قضيت جزءا كبيرا من تلك الليلة في بلكونة الفندق أتأمل ليل "انترلاكن" بجبالها التي أسرتني وأنستني موعد العودة إلى قريتي "الحبيل"! لكنني أدركت الواقع وحزمت حقيبتي المسكينة مبكرا استعدادا للذهناب لقرية "زيلامسي" في النمسا .

































السبت، ٩ أغسطس، ٢٠٠٨

الطريق إلى جنيف .. مذكراتي الخاصة عن رحلتي إلى سويسرا ( 13 )


من غرفتي في وسط جامعتي في مدينة ليستر شمال لندن قررنا البدء صديقي وأنا في التخطيط لرحلتنا الإستكشافية والتي ستشمل مدينتي جنيف وانترلاكن في سويسرا ومدينتي زيلامسي وفينا في النمسا ، ومن خلال تجربتنا في السفر إلى باريس في الربيع السابق تكونت لدينا خبرة جيدة نتيجة للأخطاء الفادحة التي وقعنا في فيها بسبب الحجز ، تعلمنا أن الأوروبيين يعتمد على الحجز المبكر في تنظيم رحلاتهم وهو ما اعتمدناه في رحلتنا هذه حيث بدأنا بحجز الفنادق قبل شهر من الرحلة وهو موعد لايعتبر مبكرا بالمقاييس الاوروبية والتي تتيح تخفيضا سخيا للحجز المبكر ، كان الحجز سهلا جدا مع توفر مواقع الحجز على شبكة الانترنت حيث تجد فندقا في قرية قصية بزوارها المعدودين مسجلا اسمه في مواقع الحجز الاليكترونية . قررنا أن نقضي يومين في مدينة جنيف والذي يحسبها الكثير عاصمة لسويسرا إلا أنها ليست كذلك رغم شهرتها العالمية التي تفوق بكثير العاصمة السويسرية "بيرن" والتي يسمع عنها القليل ، اكتسبت جنيف سمعتها كونها مقرا سابقا لعصبة الأمم المتحدة وبعض المنظمات الدولية . فيما قررنا أن نقضي يومين في قرية انترلاكن ثم السفر بعد ذلك إلى النمسا . بعد أن حجزنا الفنادق عن طريق الانترنت والذي لايتطلب سوى بطاقة فيزا ، قمنا بحجز رحلات الطيران من لندن إلى جنيف للذهاب ومن فينا إلى لندن للعودة ، لم يكلفنا الحجز مبلغا كبيرا نظرا لاعتمادنا على الطيران الإقتصادي المنتشر في اوروبا والذي يتيح للمسافر الطيران بأسعار رخيصة كلما كان الحجز مبكرا . انطلقنا في صباح لباكر بعد أن أنهينا السنة الأولى والمخصصة للغة ، انطلقنا إلى مطار "قاتويك" في لندن والتي بدورها تحتوي على خمس مطارات أحدها أكبر مطار في أوروبا والثالث عالميا ويتوقع أن يصبح الأول بعد الانتهاء من الصالة الخامسة والتي ستكون أكبر من جميع الصالات ، وصلنا للندن ثم قطعنا التذاكر عن طريق جهاز إلكتروني وذلك للتوجه للمطار مباشر عبر قطار مخصص لذلك ، يعجبني في لندن اهتمامها الكبير بإيصال المسافر إلى مطاراتها عبر قطارات مخصصة لهذا الغرض ، وما إن وصلنا المطار حتى تفاجأت بكبره وتنظيمه الرائع ورغم كبر المطار "قاتويك" إلا أن الانتقال بين صالاته كان سهلا عن طريق القطار السريع الذي يربط صالاته ، وصلنا للصالة الشمالية والتي ستنطلق رحلتنا منها ، وصلنا للكونتر المخصص للشركة التي حجزنا عليها حيث أنهينا كل مايتعلق برحلتنا في أقل من ثلث ساعة ، تجولنا بعدها في المطار الذي يعتبر مطارا دوليا ثانويا رغم تنظيمه الرائع وكبر مساحتها ، ترك هذا المطار انطباعا جيدا عنه بخدماته وتسهيلاته ، تساءلت عن الانطباع الذي يتركه مطار جدة في نفوس الملايين من الحجاج وغيرهم والذين كانوا يظنون أنه من أفضل مطارات العالم !. صعدنا الطائرة الإقتصادية والتي تضاهي بحجمها ونظافتها وترتيبها طائرات ناقلنا الوطني ، وبعد ساعة وربع كنا في مطار جنيف الذي كان مزدحما ورغم ذلك أنهينا إجراءات الجوازات بسرعة كبيرة رغم الإزدحام ، وأول ما لاحظته في المطار هو كثرة الإعلانات التجارية الخاصة بشركات الساعات حيث نجدها في زاوية في المطار ووجدناها فيما بعد في كل زاوية في مدينة جنيف ، ومن المدهش أن مطار جنيف أقل جمالا وتصميما من مطار الرياض إلا أن تعامل موظفيه وانسياب الحركة والتنظيم الرائع أفضل بكثير من ممايحدث في مطار الرياض ، تعاملت أكثر من مرة مع الموظفين هنا في جنيف فكانوا في غاية التقدير والإحترام والرحابة وهذه الحقيقة تغيض أحد أصدقائي الذي يكره أن يعترف بأي خلق حسن "لكافر" أوروبي فيما يختصر كل أخلاقنا في الكرم !. لكنها الحقيقة التي لا أتراجع عن قولها ، ولكي تتأكدوا من ذلك حاولوا أن تتعاملوا مع أحد موظفي الخطوط السعودية والتعامل مع أي موظف في مطارات أوروبا لتعرفوا الفرق وتعاينوه بأنفسكم . استقلينا قطار أوصلنا إلى المحطة الأقرب لفندقنا ، أكلمنا اجراءات الدخول واسترخينا قليلا ثم قررنا أن نتجول قليلا حول بحيرة جنيف والتي توجد فيها نافورة جنيف الشهيرة رغم أنها لاتزيد ارتفاعا عن نافورة جدة ، حاولت أن أعيش داخليا حياة الأغنياء الذين يتواجدون بكثرة في جنيف إلا أن ساندوتشين من الشاورما التركية كانت كفيلة بإبعاد هذا الوهم والتفكير حيث كان سعرها يعادل أكثر من خمسين ساندوتشا في جدة !! لاحظت كثرة محلات الساعات الفاخرة بأسعارها الباهضة والتي يتجاوز سعر الساعة الواحد من ماركة "رولكس" تكاليف رحلتنا بأضعاف وتكاليف دراستي لمرحلة الماجستير بالتمام !!. لاحظت أيضا كثرة السياح من دولة الكويت وقلة السياح من السعودية ، أخبرت صديقي بأن كثير من المسافرين الخليجيون لايعرفون من السفر إلا حجوزات الإنتظار وساعات الليل كما قال الكاتب تركي الدخيل ، وإن كنت لا أمانع من ساعات الليل بأضواءه البهية إلا أن للنهار متعته الخاصة في استكشاف ثقافة البلد عبر رحلات سياحية وهو مالايحبه كثير من الخليجيين ، لاأحب أبدا أن أزور دولة دون أكتشف ثقافتها بتذوق مأكولاتهم والتجول في أسواقهم الشعبية وممارسة أسلوب حياتهم . أخذنا جولة بحرية قصيرة بالقارب لاتتعدى العشر دقائق في بحيرة جنيف حيث نزلنا في الطرف الآخر ، جذبتنا رائحة الشوارما التركية فقررنا أن نتناول وجبة خفيفة كلفتنا ضعف قيمة وجبة دسمة في أحد أفظل مطاعم السعودية ! أدركنا بعدها غلاء المعيشة في جنيف وإن كنا قد اكتسبنا مناعة قوية من غلاء بريطانيا إلا أن سويسرا كانت بالنسبة لنا الأغلى من ناحية المعيشة اليومية على الأقل ، أكملنا جولتنا ثم عدنا للفندق لننام مبكرا حيث موعدنا مع رحلة بحرية في بحيرة جنيف . صحونا في الصباح الباكر وتناولنا وجبة الإفطار في الفندق حيث الخبز الريفي الذي يعجبني ولايعجب صديقي ، ذهبنا بعد ذلك للكشك المخصص لبيع التذاكر البحرية واخترنا لرحلة بحرية لمدة ست ساعات ستتوقف الباخرة خلالها في قرية فرنسية تطل على بحيرة جنيف ، اعتقدنا في البداية أن الرحلة ذهبا ستكون طويلا إلا أنها كانت أقصر مما نتوقع بكثير ، وصلنا القرية الفرنسية التي تطل على بحيرة جنيف واسمها باللغة الفرنسية "Yvoire" ورغم صغر القرية إلا أنها كانت مكتظة بالسياح ومجهزة بالخدمات السياحية ، ولاحظنا أن المحافظة كان سمة القرية حيث لم نجد أي مطعم من المطاعم العالمية ، ولاحظنا الزهور الجميلة معلقة في أرجاء القرية ، قررنا تناول وجبة خفيفة فكان الإختيار على الفطائر الفرنسية المفظلة لدي ، اخترنا مطعما شعبيا وطلبنا الفطائر وتناولناها داخل المطعم ، غادرنا المدينة بعد تجولنا في أزقتها وتناولنا فطائرهم وعشنا فيها لحظات من حياتهم الجميلة ، حدثت صديقي أننا نفتقد لمفهوم السياحة في مكة خصوصا ، حيث ملايين الحجاج يأتون ويغادرون ولايعرفون عن الحج والعمرة إلا الحج والعمرة ، تساءلت : لماذا لايكون هناك سوق مخصص للتذكارات الخاصة بأيام الحج ويكون صنعها مكة لا الصين، لماذا لايكون هنالك معرض يخصص لتعريف الحجاج بعمارة الحرمين والثقافة المكاوية والأكلات الشعبية ، لماذا لاتكون هنالك أفلام سينمائية توضح للحجاج مراحل الإسلام وثقافة مكة والمدينة ، لماذا لاتكون هنالك مناسبات خاصة ليرى الحجاج العادات والتقاليد المكاوية والألعاب الشعبية ، عندها سيعود الحجاج إلى أوطانهم وقد تعلموا الشئ الكثير وتعرفوا على ثقافة البلد الذي زاروه وتكون رحلتهم رحلة إيمانية وتثقيفية . غادرنا القرية الفرنسية متوجهين إلى جنيف ، وجنيف مدينة لاتعرف لها وجه محدد ، فكثير من القرى والمدن الفرنسية قريبة جدا منها ، وبعضها يبعد أقل من 60 كلم ، وأهلها يتحدثون اللغة الفرنسية بالإضافة إلى الألمانية وقليل منهم يتحدث الإنجليزية ، وجنيف شهيرة جدا ورغم ذلك فهي ليست العاصمة ، وجنيف مدينة يكثر في الآثرياء ببذخهم ورفاهيتهم ، ويزورها سنويا أكثر من 30 ألف سائح خليجي ، وتمثل السياحة في سويسرا مصدر دخل مهم ، ولايوجد جيش نظامي في سويسرا !. طلبت من صديقي أن نتجول ليلا حول بحيرة جنيف الجميلة ، فمن عادتي أن أرى المدينة ليلا ونهارا ، وقد كانت البحيرة تعج بالسياح والأنشطة حتى ساعة متأخرة ، عدنا بعدها إلى الفندق استعداد للسفر إلى مدينة "انترلاكن" التي تمثل الريف السويسري الساحر الجمال .








القهوة العربية في بريطانيا .. مذكراتي الخاصة عن رحلتي إلى بريطانيا ( 12 )






الصورة بعاليه هي لمنزل رجل عرفت عنه من خلال أحد أصدقائي فمنزله لا يخلو يوما من الأيام من التمر السكري والقهوة العربية ذات الرائحة الفواحة ، التي تتنافس مع رائحة العود الكمبودي والتي تمثل جزءا من ثقافته رحل بها آلاف الأميال من روابي نجد وحتى مسطحات كامبريدج الخضراء ، تلك القهوة التي مثلت رمزا للعادات والتقاليد العربية الأصيلة ، لا كما يتخيل البعض أنها في أوربا رمز للتخلف ، فيما قهوة الاسبريسو تتصدر قوائم المشروبات في أشهر محلات القهوة حول العالم ، كم هو مؤسف أننا لا نفخر ونفاخر في عاداتنا الأصيلة التي نتميز بها ، لنجاري حضارات لسنا من تكوينها، وكم هو مؤلم حين يتحول مفعول القهوة العربية السخي والجلسات العربية التي تربطنا بشكل سحري برائحة الشيح واليشموم والنفل والخزامى والفل والريحان تلك النباتات التي لا تفوح رائحتها في رياض بريطانيا، بل في صحاري الجزيرة التي تنبيك عن صلابة اهلها وعلو همتهم .
لا أنسى حين أنسى تلك الحفلة في معهد اللغة في نوريج حين فاحت رائحة القهوة العربية في أرجاء المعهد فيما المدرسون يشربونها بنهم ويعاودون ملئ الفنجال مرة أخرى ، لايحتم علينا الإندماج مع المجتمات الغربية أن ننسى الكرم والقهوة ورائحة الهيل وصوت أوتار العود بمقاماته .
أكاد أجزم أن مايبنيه بعض المبتعثين من تحسين الصورة يقابلة جهد جبار في هدمها ورسم صورة أخرى تجمع في إطارها مابين الإنحطاط والتشدد ، كنت أردد دائما أن علينا أن نندمج مع المجتمع البريطاني دون أي تكلف نفقد معه قيمنا الإنسانية التي شجعها الإسلام .
شاهدت في الانترنت مقطع تصوير يظهر فيه عدد من الطلاب المبتعثين يقومون يتعليم بعض الطالبات كلمات دونية فيما يحسبنها كلمات تمثل جزءا من لغتنا وتحمسن لتعلمها كجزء من حبهم للتعرف على ثقافة أخرى ، فيما اليابانيون والصينيون يعلموننا اليوقا وألعاب تنشيط الذاكرة وتمارن الدماغ !!. هذا مثال لتشويه الصورة كاملة بأفعال يترفع عنها غيرنا فيما نحن نهتم بالتنظير لمستقبلهم !.
اتصل بي أحد زملائي الذي كان يدرس معي مرحلة اللغة في مدينة 'نورج' وأخبرني غاضبا أن احدى الطالبات من جنسية أوروبية قالت له كلمة 'دونية' تحسبها كلمة حسنة ، غضب زميلي إلا أنه كان محنكا وأدرك على الفور أن أحد الطلاب السعوديون قد علمها إياها بوصفها كلمة حسنة تمثل تحية أو شئ من هذا القبيل !.
كل ذلك كان عن علاقتنا بالآخر الذي احترمنا وقدرنا واستضافنا وعلمنا ، فيما نحن نخونه ونعاديه ونسخر منه ، أحد المبتعثين والذي يدرس في مرحلة الدكتوراه في سنوات تقترب من الخمس نصحني بعد أن 'اتهمني' بصغر سني بأن أكره الأنجليز لأن من يحبهم يجب أن يحب الأمريكان في معادلة لم يتوصل إليها أحد غيره فيما ورقة واحدة من منهج البحث العلمي الذي يدرسه كفيلة بنسف هذا المعادلة .
سأنتقل للطرف الآخر لأتحدث عن ذلك الرجل الذي جسد في الكرم الحاتمي في أكبر من 'خروف مفطح' إلى مساعدات سخية يقدمها لجميع الطلاب المبتعثين قبل وصولهم إلى مقر بعثتهم ، وآخر لم يعر أي اهتمام للقب 'رئيس النادي السعودي' ليمنح اتصاله الدافي لكل مبتعث يصل لمدينه أو يغادرها، إذا هنالك نماذج مشرقة وأخرى غير ذلك تماما، غير أن أحجار الأساس في وطننا لن تحمل في نقوشها سوى تلك الأسماء المشرقة.