من الجميعات إلى كامبرديج رحلة كفاح "محمد الشقيفي". مذكراتي الخاصة عن رحلتي إلى بريطانيا ( 11 )

في إحدى ضواحي مدينة كامبريدج قابلت شابا قطع رحلة مثيرة من قرية الجميعات التابعة لمحافظة القنفذة التي تختصر البعد والنسيان إلى واحد من أشهر مستشفيات في العالم في جراحة القلب في مدينة اختصرت معاني الشهرة رغم صغرها ، محمد بحران الشقيفي شاب ولد في وادي يبه وترعرع في وادي حلي المشتهر بالخضرة سابقا دون أن يتوقع بأنه سيتجول معنا ذات يوم في المناطق الساحرة الجمال المحيطة بمنزله الذي يقع قرب هذه المشفى الشهير . تلقيت دعوة من هذا الشاب لتناول "الكبسة السعودية" التي ضاعت هويتها فيما صعدت أكلة السوشي اليابانية لتحجز لها مكانا في قائمة الطعام في عدد من المدن العالمية رغم أن "كبستنا" كانت ستحتل مكانا أفضل لو وجدت المسوق الخبير ، أخبرت بحران أنني في شوق إلى "المرسة الجيزانية" والتي جربها أكثر الطلاب السعوديين في منزل محمد الشقيفي ، قبلت الدعوة دون تردد ، وكيف لي أن أرفض مصافحة الكبسة ومعاركة "المرسة". لم تكن حياة الشقيفي بذات السهولة التي حصل بها على قبول في مستشفى في لندن ، لقد ولد وتربى بأخلاق الوادي الذي يعطي دون مقابل ، لكن لاأحد يعيره اهتماما حين يهجم السيل بغتة وبقوة عارمة ، دخل الشقيفي الإبتدائية في سن متأخرة ، لكنه كان مثابرا وطموحا ، أكمل دراسته الثانوية وكان يطمح في العمل بالقطاع العسكري ، بعد أن صرف النظر عن دراسة الطب لضيق ذات اليد لكن لم يحالفه الحظ الذي أحيانا يسير بالحياة نحو إتجهات عجيبة ، قرر محمد البحث عن عمل ليحسن به معيشته ، غير أن أخاه قام بالتقديم نيابة عنه لدى الكلية الصحية في تخصص التمريض ، لكن محمد كان غير متحمسا وكان يريد تخصص عمليات جراحية ، غير أن المسؤول عن القسم رفض ذلك ، تساءلت حينها : كم شخص مسؤول حجب بإصبعه ضياء أمل ؟. قرر محمد العمل في وظيفة "سكيورتي " التابعة للشركات الأمنية الخاصة ، أخبرني محمد بعد ذلك في منزله في إحدى ضواحي كامبريدج أنه عاني من تعامل كثير من السعوديين عندما كان حارسا لكنه عقب بأسى أن الوضع هنا مختلف جدا في المستشفى حيث قيمة عامل النظافة تمام مثل رئيس قسم الجراحة ! لم أعقب على كلامه كوني أعرف الكثير من الحقائق المخجلة . اتصل شخص على محمد الشقيفي يطلب منه مبادلته في تغير التخصص ، وافق محمد على الفور ، عندها بدأ الدراسة بجد واجتهاد حتى تخرج من الكلية الصحية وتوظف في مستشفى الملك فهد بجدة كفني عمليات بعد أن رفض أن يقتصر عمله على مناولة الأدوات الطبية للجراحين حيث قرر أن يشارك مشاركة فاعلة في أكثر من عملية جراحية ، قام مستشفى الملك فهد بجدة بإرساله ذات يوم من شهر مارس إلى مدينة مانشستر لحضور مؤتمر طبي ، عندها قام الشاب الطموح بقراءة المطبوعات والمنشورات التي يصدرها المؤتمر بحثا عن تخصص مناسب لمرحلة الماجستير ، وقام بسؤال عدد من الأطباء العالميين الذين جاؤا للمشاركة في المؤتمر ، وقع نظر محمد على تخصص الجراحة ، عندها قام بتقديم أوراقه إلى مستشفى مانشستر و جامعة كامبريدج ليحصل بعد ذلك على قبول من جامعة كامبريدج ، حصل محمد على القبول للدراسة في جامعة كانت تدرس "نيوتن" كأحد طلابها ، عانى الشقيفي كثيرا من المشاكل في تنظيم أموره ، أخبرني محمد بأن كثير من أصدقاءه حذروه من صعوبة هذه الجامعة التي تخرج منها نيوتن صاحب قوانين الحركة و داروين صاحب نظرية النشوء والترقي ، لكن محمد تجاهل كل النصائح البريئة والمثبطة .. فقرر المواصلة . والآن بعد كل هذه الرحلة المتعبة ينام محمد في منزله الذي يبعد أمتار عن المستشفى وآلاف الأمتر عن الجميعات ، فيما يتناول "الكبسة السعودية" التي تعدها زوجته بمهارة عالية والتي هي الأخرى تحملت كل تفاصيل هذه الكفاح ، يحدثني محمد بأنه يشعر بالأسى حين يرى أن الأبحاث العالمية تصدر من مبنى صغير لايتجاوز منزلا سكنيا على أطراف الواديين ، بينما المباني الفخمة لدينا ليست سوى فنادق للإستجمام . هذه قصة محمد كتبتها لكل الذين يزورون "شاطئ الجميعات" الجديد والذي تذكروه بعد نسيان طويل عانى من الكثير ، لكل الذين يستنشقون نسمة هواء عليلة أقول لهم : أن بقرب هذا الشاطي الجميل منزل كان مبني من قش وتربي فيه شاب هو الآن متدرب ودارس في مستشفى شهير يعتبر أول مستشفى يجري عملية زرع قلب نابض في جسد مريض في أوروبا ، ومشارك في أدق عمليات القلب الجراحية ، لكل الذين يعتقدون أن الخطوة الأولى نحو مستقبل منير لابد أن تكون على سجاد فخم ، أقول لهم : لابد أن تقرؤا الشقيفي وتتأملوا ملامح وجهه لتعرفوا أن مواجهة السيل العرم ببسالة هي أولى خطوات النجاح ، ولكل الذين لايستطيعون أن يعيشوا في ضاحية نائية يعرفها العالم ولايوجد فيها سعودي أو عربي سوى فلسطيني يشرف على تلميذه الإسرائيلي .. أقول لهم : أن يحتفظوا بخطواتهم وأن يتوجهوا بها نحو ذلك الشاطي الجديد ليشاهدوا كيف انتحر ذلك "الحوت" الكبير بعد أن يئس من حياة ليس فيها حراك المحيطات .


