الأحد، ١٥ يونيو، ٢٠٠٨

من الجميعات إلى كامبرديج رحلة كفاح "محمد الشقيفي". مذكراتي الخاصة عن رحلتي إلى بريطانيا ( 11 )



في إحدى ضواحي مدينة كامبريدج قابلت شابا قطع رحلة مثيرة من قرية الجميعات التابعة لمحافظة القنفذة التي تختصر البعد والنسيان إلى واحد من أشهر مستشفيات في العالم في جراحة القلب في مدينة اختصرت معاني الشهرة رغم صغرها ، محمد بحران الشقيفي شاب ولد في وادي يبه وترعرع في وادي حلي المشتهر بالخضرة سابقا دون أن يتوقع بأنه سيتجول معنا ذات يوم في المناطق الساحرة الجمال المحيطة بمنزله الذي يقع قرب هذه المشفى الشهير . تلقيت دعوة من هذا الشاب لتناول "الكبسة السعودية" التي ضاعت هويتها فيما صعدت أكلة السوشي اليابانية لتحجز لها مكانا في قائمة الطعام في عدد من المدن العالمية رغم أن "كبستنا" كانت ستحتل مكانا أفضل لو وجدت المسوق الخبير ، أخبرت بحران أنني في شوق إلى "المرسة الجيزانية" والتي جربها أكثر الطلاب السعوديين في منزل محمد الشقيفي ، قبلت الدعوة دون تردد ، وكيف لي أن أرفض مصافحة الكبسة ومعاركة "المرسة". لم تكن حياة الشقيفي بذات السهولة التي حصل بها على قبول في مستشفى في لندن ، لقد ولد وتربى بأخلاق الوادي الذي يعطي دون مقابل ، لكن لاأحد يعيره اهتماما حين يهجم السيل بغتة وبقوة عارمة ، دخل الشقيفي الإبتدائية في سن متأخرة ، لكنه كان مثابرا وطموحا ، أكمل دراسته الثانوية وكان يطمح في العمل بالقطاع العسكري ، بعد أن صرف النظر عن دراسة الطب لضيق ذات اليد لكن لم يحالفه الحظ الذي أحيانا يسير بالحياة نحو إتجهات عجيبة ، قرر محمد البحث عن عمل ليحسن به معيشته ، غير أن أخاه قام بالتقديم نيابة عنه لدى الكلية الصحية في تخصص التمريض ، لكن محمد كان غير متحمسا وكان يريد تخصص عمليات جراحية ، غير أن المسؤول عن القسم رفض ذلك ، تساءلت حينها : كم شخص مسؤول حجب بإصبعه ضياء أمل ؟. قرر محمد العمل في وظيفة "سكيورتي " التابعة للشركات الأمنية الخاصة ، أخبرني محمد بعد ذلك في منزله في إحدى ضواحي كامبريدج أنه عاني من تعامل كثير من السعوديين عندما كان حارسا لكنه عقب بأسى أن الوضع هنا مختلف جدا في المستشفى حيث قيمة عامل النظافة تمام مثل رئيس قسم الجراحة ! لم أعقب على كلامه كوني أعرف الكثير من الحقائق المخجلة . اتصل شخص على محمد الشقيفي يطلب منه مبادلته في تغير التخصص ، وافق محمد على الفور ، عندها بدأ الدراسة بجد واجتهاد حتى تخرج من الكلية الصحية وتوظف في مستشفى الملك فهد بجدة كفني عمليات بعد أن رفض أن يقتصر عمله على مناولة الأدوات الطبية للجراحين حيث قرر أن يشارك مشاركة فاعلة في أكثر من عملية جراحية ، قام مستشفى الملك فهد بجدة بإرساله ذات يوم من شهر مارس إلى مدينة مانشستر لحضور مؤتمر طبي ، عندها قام الشاب الطموح بقراءة المطبوعات والمنشورات التي يصدرها المؤتمر بحثا عن تخصص مناسب لمرحلة الماجستير ، وقام بسؤال عدد من الأطباء العالميين الذين جاؤا للمشاركة في المؤتمر ، وقع نظر محمد على تخصص الجراحة ، عندها قام بتقديم أوراقه إلى مستشفى مانشستر و جامعة كامبريدج ليحصل بعد ذلك على قبول من جامعة كامبريدج ، حصل محمد على القبول للدراسة في جامعة كانت تدرس "نيوتن" كأحد طلابها ، عانى الشقيفي كثيرا من المشاكل في تنظيم أموره ، أخبرني محمد بأن كثير من أصدقاءه حذروه من صعوبة هذه الجامعة التي تخرج منها نيوتن صاحب قوانين الحركة و داروين صاحب نظرية النشوء والترقي ، لكن محمد تجاهل كل النصائح البريئة والمثبطة .. فقرر المواصلة . والآن بعد كل هذه الرحلة المتعبة ينام محمد في منزله الذي يبعد أمتار عن المستشفى وآلاف الأمتر عن الجميعات ، فيما يتناول "الكبسة السعودية" التي تعدها زوجته بمهارة عالية والتي هي الأخرى تحملت كل تفاصيل هذه الكفاح ، يحدثني محمد بأنه يشعر بالأسى حين يرى أن الأبحاث العالمية تصدر من مبنى صغير لايتجاوز منزلا سكنيا على أطراف الواديين ، بينما المباني الفخمة لدينا ليست سوى فنادق للإستجمام . هذه قصة محمد كتبتها لكل الذين يزورون "شاطئ الجميعات" الجديد والذي تذكروه بعد نسيان طويل عانى من الكثير ، لكل الذين يستنشقون نسمة هواء عليلة أقول لهم : أن بقرب هذا الشاطي الجميل منزل كان مبني من قش وتربي فيه شاب هو الآن متدرب ودارس في مستشفى شهير يعتبر أول مستشفى يجري عملية زرع قلب نابض في جسد مريض في أوروبا ، ومشارك في أدق عمليات القلب الجراحية ، لكل الذين يعتقدون أن الخطوة الأولى نحو مستقبل منير لابد أن تكون على سجاد فخم ، أقول لهم : لابد أن تقرؤا الشقيفي وتتأملوا ملامح وجهه لتعرفوا أن مواجهة السيل العرم ببسالة هي أولى خطوات النجاح ، ولكل الذين لايستطيعون أن يعيشوا في ضاحية نائية يعرفها العالم ولايوجد فيها سعودي أو عربي سوى فلسطيني يشرف على تلميذه الإسرائيلي .. أقول لهم : أن يحتفظوا بخطواتهم وأن يتوجهوا بها نحو ذلك الشاطي الجديد ليشاهدوا كيف انتحر ذلك "الحوت" الكبير بعد أن يئس من حياة ليس فيها حراك المحيطات .



الجمعة، ١٣ يونيو، ٢٠٠٨

فـــــي وداع نـــوريـــج.. مذكراتي الخاصة عن رحلتي إلى بريطانيا ( 10 )



في نهاية شهر مايو ودعت مدينة نوريج (Norwich) المدينة التي شكلت نقطة مهمة في حياتي حيث انتهت فترة دراستي فيها بعدما عشت فيها تجربة مثيرة التقيت خلالها بصديقين متناقضين تماما أحدهما مسلم والآخر ملحد وكلاهما بريطانيي الجنسية وكلاهما أيضا من أعز أصدقائي وتعلمت منهم مالم أتعلمه في مراحل تعليمي ، تعلمت منهم كيف ينتصر المرء لرأيه وكيف يؤمن بمبادئه ، كما تعرفت فيها على نخبة من أفضل أصدقائي .
كان يوم 22 مايو يوم فريد في حياتي ، وللمصادفه فهو يسبق بيومين زواج مديرة معهدنا التي كانت تتذوق ثقافة الشرق من خلال فنجال من القهوة العربية ، كانت تحب خصلة الكرم في الشباب السعودي ، أحد هؤلاء الشباب قام بدعوتها إلى "عزيمة" خاصة في منزله مع عائلته وحين أعد الوليمة قام بإستشارتها إن كانت تريد أن تجرب الثقافة السعودية أو يقدم الأكل على طاولة الطعام ، فردت برغبتها في تجربة الأكل على الأرض مباشرة .
أعترف لكم –وما أكثر إعترافاتي- أن تعامل مديرتنا الشابة قد محى كل الوصيا التحذيرية التي تلقيتها من البعض بأن أحذر التعامل مع الإنجليز ، أعجبت أكثر بمديرتنا حين توفيت جدتها في يوم دراسي وقامت وهي ذروة حزنها بالإستئذان من الطلاب بالسماح لها بإلغاء المحاضرة ! صدقوني إن قلت لكم أنني كنت أعتبر مثل هذه المواقف مثاليات توشحت بالمبالغة ، إلا أنني عاينت مواقف كثيرة أثببت لي صحة ذلك .
قام الشباب السعودي بإعداد حفلة توديع كشفت ضعف تحملي لمثل هذه المواقف ، حمل الموقف متناقضات من الحزن على الفراق إلى فرح بإجتماع كل أصدقائي من عدة دول وجنسيات ، حدثت صديقي بأنني لم أشعر بهذا الشعور من قبل رغم أنني درست الجامعة في مدينة جدة التي أعشقها حتى الثمالة ، طلب الجميع أن ألقى كلمة الوداع ، لم أكن مستعدا بطبيعة الحال ولكن حاولت فعلا أن أتحدث عن تجرية في هذا المعهد العجيب الذي يستقبل أسبوعيا جنسيات مختلفة لم تخل إحداها من جنسية أوروبية ، حتى أنني سألت صديقي الألماني عن مجيئه لتعلم لغة غير لغته الذي رسمت معالم الحضارة الأوربية عبر أعظم فلاسفتها ومفكريها الألمانيين ، فرد علي بأنه ذات السبب الذي جعلني أجيئي من على بعد خمسة آلاف ميل !.
كيف لي أن أتماسك أمام وداع مدرس تحول فجأة لصديق متلهف للتعرف على ثقافة الشرق ، كنا نجلس على طاولة واحدة تجمع بين مسلم وملحد ، كان أدب خلافنا مثل أدب اتفاقنا "هناك" وكان اتفاقنا هو درس لي في الأخلاق والمبادئ ، كيف لي بربي أن أنسى ذلك الرجل الذي جاء يستأذني أخذ جريدة لم تكن تخصني ولاحظ الملامح الشرقية تغطي كامل وجهي ، فجلس وأخبرني بأنه حديث عهد بالإسلام وأن والديه مسيحيين فعندما سألته ماإذا كان جرب دعوتهم للإسلام فقال سأعدوهم بأخلاقي التي اكتسبتها من الرسول المعظم وزوجته عائشة ! صعقت لحظتها وتساءلت : كيف لهذا الحديث إسلاميا أن يعي ذلك بينما هنالك أشخاص ولدوا بتمرة في أفواههم وصوت أذان صادح في آذانهم لم يعوو ا ذلك بعد ؟ .
كيف لي أن انسى عائلتي الإنجليزية وربة البيت التي تحاول دائما أن تعوض الحنين العائلي الذي افتقدته فكانت تحرص حتى على إيقاظي لصلاة الجمعة حين كان يوم إجازة عامة . وكيف لي أن أنسى أصدقائي السعوديين والخليجين والعرب والذين تعرفت عليهم في هذه الغربة التي أظهرت معادنهم ، لم أكن أتوقع أن للغربة هذه الحسنات .
كيف لي أن أنسى مدينة عشت فيها اول تجربة مع الغرب واقتسم فيها لساني لغة أخرى ليتحد ضمن أجناس من البشر جاؤا لتعلموا هذه اللغة ، أخبرت أحد أصدقائي بأنني أغبطهم على هذه اللغة التي جذبت أصنافا من البشر ليتعلموها .. لالجمالها إنما لأنها الطريق الوحيد للعلم ، ولكم –لو كنتم تستطيعون- أن تلقوا نظرة على قاعة الإفطار لتشاهدوا كيف يتحدث الكوري مع الفرنسية واليابانية مع الألماني والإيطالية مع المكسيكسة والعربي مع الأسباني بلغة واحدة تعلموها في الصباح الباكر ليتحدثوا بها خلال فترة الإفطار .
عدت مباشرة بعد أن انتهت الحفلة للبيت لأعد حقائبي التي أشفق عليها من تحملها هي الأخرى لإحتواء تفاصيلي الصغيرة والمملة أحيانا .. سأحتفظ بهذه الحقيبة فقد يأتي يوم أحتاج أن أضيف إليها تفاصيل أدق لتجربتي هذه .

الجمعة، ٦ يونيو، ٢٠٠٨

أيـام في باريـس ..في (ديزني لاند) استعدت طفولتي.. مذكراتي الخاصة عن رحلتي إلى بريطانيا ( 9 )



كان علينا أن نصحو مبكرين رغم صعوبة ذلك علينا ، فمازال السهر يشكل جزء مهما من ثقافتنا السياحية العربية ، تناولنا وجبة الإفطار في مطعم الفندق في بوفيه مفتوح كبير ذكرني بأيام جميلة قضيتها في ماليزيا "سحر الشرق" والتي أرى أنها المنافس الشرقي الوحيد للسياحة الأوربية ، توجهنا بعد ذلك لمحطة القطار بإتجاه متحف اللوفر وأنا أساءل نفسي : هل سأرى حقا لوحة الموناليزا عيانا ، هل سأتذكر أياما مضت كنت أحتضن فيها كتاب "المنجد" ؟ لاأقصد الشيخ بطبيعة الحال ، وصلنا لمتحف اللوفر بسهولة كبيرة وقمنا بقطع تذاكر الدخول والتي كانت برسوم . تختلف متاحف باريس عن متاحف لندن في أن متاحف لندن مجانية الدخول وهو شئ أثار إعجابي ، قررنا أن نختصر جولتنا في المتحف حيث أنني أصاب بإرهاق شديد من المتاحف بسبب صعوبة تتبع الأقسام وكنت أحدث صديقي في أنني أتمنى أن أرى متحفا مكونا من غرفة واحدة يحوي حضارات الإنسانية جمعاء ! . شاهدنا بعض المنحوتات التي نحت بشكل مبهر حتى لتخالهم استخدموا أدوات حديثة في ذلك ولايخطر في بالك أن عمرها يتجاوز الخمسة آلاف سنة ، قررنا بعدها أن نتوجه مباشرة للوحة الموناليزا مباشرة ، عرفنا موقعها من الحشد الذي يحتشد أمامها ، أعترف لكم بأنه راودني شعور متناقض من الإحباط والإعجاب ، إحباط من حجمها الصغير وإعجاب من عظمة رسامها ومبدعها الذي تمكن من أن يصنع لها كل هذه السمعة والصيت وأن يتمكن من أن يجذب لها أصناف البشر من أنحاء العالم ، وقفت للحظات متجردا من كل مايحيط هذا العالم من صراعات لأضع ناظري بناظري الموناليزا شعرت خلالها بأنها تنظري إلي وحدي من بين الجموع .
لم نكد ننتهي من جولتنا في متحف اللوفر حتى راودتني رغبة جامحة بالذهاب لشارع الشانزليزيه ، توجهنا مباشرة نحو الشارع ومن ثم لقوس النصر الذي صعدنا لأعلاه المطل على مساحة كبيرة من باريس في مشهد بانورامي جميل ، حدثت صديقي بأن هذه اللحظات التي أنظر فيها إلى مساحة كبيرة من باريس لم تكن في يوم من الأيام حتى مجرد حلم ، كنت أنظر من جانب فأرى العراقة مترسمة على القصور والمباني العتيقة والتي ماتزال جميعها مسكونة منذ أن شهدت ملاحم بناء الحضارة ، بينما ألتفت للجانب الآخر ونحن على ارتفاع 50 مترا لأرى منطقة الأعمال الشهيرة في وسط باريس بمبانيها الشاهقة والحديثة لتجعل الحداثة والمحافظة بين نظرتين يربطهما حاجب .
في اليوم التالي كنا مع تجرية مثيرة حيث قررنا الذهاب لديزني لاند ، كنت أريد أن ألبي لطفولتي ماكانت تحب ، يقول غازي القصيبي أن لـ "والت ديزني " قسم خاص في قلبي كونه ينام في قبره بعد أن رسم البسمة في وجوه الأطفال . دخلنا ديزني لاند وعدت للحظات لأيام الطفولة ، ذهبت لقصر الجميلة النائمة وحاولت بما أستطيع أن أنسى كل شئ مضى عدا الطفولة التي أيقضتها منذ أن سمعت موسيقى ميكي ماوس لحظة دخولي المدينة ، لا أبالغ حينما أقول لكم أن شعورا طفوليا سرى في جسدي وأنا أرى الإحتفالات اليومية التي تعدها شخصيات ديزني .لاحظنا أن المدينة - أقصد ديزني لاند بطبيعة الحال – تنقل الثقافة الأمريكية بتفاصيلها دون تكلف يخدش معاني الطفولة ، سألت صديقي حينها كم من الزمن نحتاج حتى نتجاوز الجدل في إنشاء مدينة كهذه تدخل البهجة في قلوب الأطفال وتعيد للطفولة معانيها المفقودة ؟!.