الجمعة، ١٣ يونيو، ٢٠٠٨

فـــــي وداع نـــوريـــج.. مذكراتي الخاصة عن رحلتي إلى بريطانيا ( 10 )



في نهاية شهر مايو ودعت مدينة نوريج (Norwich) المدينة التي شكلت نقطة مهمة في حياتي حيث انتهت فترة دراستي فيها بعدما عشت فيها تجربة مثيرة التقيت خلالها بصديقين متناقضين تماما أحدهما مسلم والآخر ملحد وكلاهما بريطانيي الجنسية وكلاهما أيضا من أعز أصدقائي وتعلمت منهم مالم أتعلمه في مراحل تعليمي ، تعلمت منهم كيف ينتصر المرء لرأيه وكيف يؤمن بمبادئه ، كما تعرفت فيها على نخبة من أفضل أصدقائي .
كان يوم 22 مايو يوم فريد في حياتي ، وللمصادفه فهو يسبق بيومين زواج مديرة معهدنا التي كانت تتذوق ثقافة الشرق من خلال فنجال من القهوة العربية ، كانت تحب خصلة الكرم في الشباب السعودي ، أحد هؤلاء الشباب قام بدعوتها إلى "عزيمة" خاصة في منزله مع عائلته وحين أعد الوليمة قام بإستشارتها إن كانت تريد أن تجرب الثقافة السعودية أو يقدم الأكل على طاولة الطعام ، فردت برغبتها في تجربة الأكل على الأرض مباشرة .
أعترف لكم –وما أكثر إعترافاتي- أن تعامل مديرتنا الشابة قد محى كل الوصيا التحذيرية التي تلقيتها من البعض بأن أحذر التعامل مع الإنجليز ، أعجبت أكثر بمديرتنا حين توفيت جدتها في يوم دراسي وقامت وهي ذروة حزنها بالإستئذان من الطلاب بالسماح لها بإلغاء المحاضرة ! صدقوني إن قلت لكم أنني كنت أعتبر مثل هذه المواقف مثاليات توشحت بالمبالغة ، إلا أنني عاينت مواقف كثيرة أثببت لي صحة ذلك .
قام الشباب السعودي بإعداد حفلة توديع كشفت ضعف تحملي لمثل هذه المواقف ، حمل الموقف متناقضات من الحزن على الفراق إلى فرح بإجتماع كل أصدقائي من عدة دول وجنسيات ، حدثت صديقي بأنني لم أشعر بهذا الشعور من قبل رغم أنني درست الجامعة في مدينة جدة التي أعشقها حتى الثمالة ، طلب الجميع أن ألقى كلمة الوداع ، لم أكن مستعدا بطبيعة الحال ولكن حاولت فعلا أن أتحدث عن تجرية في هذا المعهد العجيب الذي يستقبل أسبوعيا جنسيات مختلفة لم تخل إحداها من جنسية أوروبية ، حتى أنني سألت صديقي الألماني عن مجيئه لتعلم لغة غير لغته الذي رسمت معالم الحضارة الأوربية عبر أعظم فلاسفتها ومفكريها الألمانيين ، فرد علي بأنه ذات السبب الذي جعلني أجيئي من على بعد خمسة آلاف ميل !.
كيف لي أن أتماسك أمام وداع مدرس تحول فجأة لصديق متلهف للتعرف على ثقافة الشرق ، كنا نجلس على طاولة واحدة تجمع بين مسلم وملحد ، كان أدب خلافنا مثل أدب اتفاقنا "هناك" وكان اتفاقنا هو درس لي في الأخلاق والمبادئ ، كيف لي بربي أن أنسى ذلك الرجل الذي جاء يستأذني أخذ جريدة لم تكن تخصني ولاحظ الملامح الشرقية تغطي كامل وجهي ، فجلس وأخبرني بأنه حديث عهد بالإسلام وأن والديه مسيحيين فعندما سألته ماإذا كان جرب دعوتهم للإسلام فقال سأعدوهم بأخلاقي التي اكتسبتها من الرسول المعظم وزوجته عائشة ! صعقت لحظتها وتساءلت : كيف لهذا الحديث إسلاميا أن يعي ذلك بينما هنالك أشخاص ولدوا بتمرة في أفواههم وصوت أذان صادح في آذانهم لم يعوو ا ذلك بعد ؟ .
كيف لي أن انسى عائلتي الإنجليزية وربة البيت التي تحاول دائما أن تعوض الحنين العائلي الذي افتقدته فكانت تحرص حتى على إيقاظي لصلاة الجمعة حين كان يوم إجازة عامة . وكيف لي أن أنسى أصدقائي السعوديين والخليجين والعرب والذين تعرفت عليهم في هذه الغربة التي أظهرت معادنهم ، لم أكن أتوقع أن للغربة هذه الحسنات .
كيف لي أن أنسى مدينة عشت فيها اول تجربة مع الغرب واقتسم فيها لساني لغة أخرى ليتحد ضمن أجناس من البشر جاؤا لتعلموا هذه اللغة ، أخبرت أحد أصدقائي بأنني أغبطهم على هذه اللغة التي جذبت أصنافا من البشر ليتعلموها .. لالجمالها إنما لأنها الطريق الوحيد للعلم ، ولكم –لو كنتم تستطيعون- أن تلقوا نظرة على قاعة الإفطار لتشاهدوا كيف يتحدث الكوري مع الفرنسية واليابانية مع الألماني والإيطالية مع المكسيكسة والعربي مع الأسباني بلغة واحدة تعلموها في الصباح الباكر ليتحدثوا بها خلال فترة الإفطار .
عدت مباشرة بعد أن انتهت الحفلة للبيت لأعد حقائبي التي أشفق عليها من تحملها هي الأخرى لإحتواء تفاصيلي الصغيرة والمملة أحيانا .. سأحتفظ بهذه الحقيبة فقد يأتي يوم أحتاج أن أضيف إليها تفاصيل أدق لتجربتي هذه .

6 تعليقات:

في ١٦ يونيو، ٢٠٠٨ ٣:٣٩ م , Anonymous غير معرف يقول...

بسم الله الرحمن الرحيم

انه لمن دواعي سروري وفرحي ان اتشرف بالكتابه في مدونتك التي تعجز الالسن على وصفهاوعجزت حروف الشعر وكلماته ولكنني اخي ياسين مهما اقول ومهما اكتب فلن ولم نوفي حقك علينا وعلى غيرنا فدائما تراني متحريا لمواضيعك الجديدة والمميزة دون علمك ولكنني حينما قرأت الذكريات وجب علي الكتابه والتعليق واراه اقل حق من حقوقك . ياسين كما تعلم انك اول من عرفت في غربتي التي لم اتعود عليها وكما تعلم وسبحان الله على الرغم من قصر الفتره بمعرفتك فكأنها اعوام فنتمنى التواصل بيننا ففعلا تعجبني افكارك التي نتحاور بها دائماولن تٌنسى من صفحة التاريخ لدينا ففعلا كنت من افضل من يمثل الشباب السعودي بالخارج فمن عادتي اهدي بيت او اكثر من الشعر ولكنني هنا اعترف بأنني لا استطيع الكتابه لانها لن تصف مافي قلوبنا نحوك ادامك الله وتقبل ردي المتواضع شاكر ومقدر لك

صخر فهد المعطاني الهذلي

 
في ١١ أغسطس، ٢٠٠٨ ٥:٤٨ م , Anonymous غير معرف يقول...

بسم الله الرحمن الرحيم

صور في غاية الروعة والجمال ؛ لم أكن أتوقع هذا الجمال ، وصحيح بأنها جنة الله في الأرض .
وشكرا على المجهود الطيب .
أخوك / حسن العاقل .

 
في ١١ أغسطس، ٢٠٠٨ ٦:١٦ م , Anonymous غير معرف يقول...

عوده حميده الى ارض الوطن ان شاء الله ......
وشكرا على هذا المجهود الرائع .... ونتطلع الى المزيد ..

 
في ٢١ أغسطس، ٢٠٠٨ ٩:٤٦ م , Anonymous غير معرف يقول...

بسم الله الرحمن الرحيم
أخي وعزيزي ياسين إن الفرح والسرور لم يغادرني وأنا أتصفح هذه المدونة الرائعة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى ، أسلوب وعرض في غاية الجمال أخي وعزيزي بالأمس القريب كنت أجلس معك فرأيت عذوبة ألفاظ تخرج من فمك كنسناس بارد وعند قراءتي لهذه المدونه كأني بك أمامي يالروعتك أخي أتمنى لك التوفيق والسعادة وتقبل خالص تحياتي ..

أخوك / البراق
21/ 8/ 2008

 
في ٢٧ أغسطس، ٢٠٠٨ ٨:٥٨ ص , Blogger topw7 يقول...

w7

 
في ٢٧ أغسطس، ٢٠٠٨ ٩:١٠ ص , Anonymous غير معرف يقول...

الاستاذ ياسين
اقل مايمكن قوله عن تلك الرحلة انها ممتعة

تحية معطرة بطيب ( انترلاكن)
وباردة كثلوج (يونفرو)

تحيتي الى من خرج للعلم وتنزه للعلم وطاول قمم اوروبا وراح يحلق ونحن ننظره عاليا فنغبطه

سموت!! فما تطاولك السماء
وسرت فضاق بالخطو الفضاء

وطاولت السما والنجم حتى
لتحسدك الثريا والسناء

وبعد,,,,
لي امنيتين
اولاهما
ان تكون بخير في السعودية
ثانيها
ان اراك قبل ان ترحل


دمت بخير ومن تحب

عبدالواحد العمري

 

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية