14 ديسمبر، 2008

"ليالي الأنــس في فيينـا".. مذكراتي الخاصة عن رحلتي إلى النمسا ( 17 )


لم تستطع "أسمهان" بأغنيتها "ليالي الأنس في فيينا" أن تمحو صورة فيينا النمطية من ذهني والمرتبطة بمنظمة الأوبك العالمية للدول المصدرة للنفط في رمزية عجيبة تدل على تغلب الزيت في حضوره على الفن ، غير أن أول جولة خلال شوارعها كانت كفيلة بمحو صورة تراكمت عبر سنوات يتوسطها الوزير الطموح المهندس علي النعيمي والذي أثق أنه يشعر بأقصى درجات الطمأنينة حين يغفو في أحد أفخم فنادق فيينا في أحد اجتماعات المنظمة لإستحقاقه ذلك بجدارة فيما يتذكر أن هذه الغفوة كلفته الصعود من أول درجة في السلم إلى آخر طابق من مبنى المنظمة وسط فيينا .
حسنا .. مازلت أحاول جاهدا أن أمحو صورة النفط من ذهني للحظات لأسمع فيها أنغام الموسيقى الكلاسيكية وأستنشق الهواء العليل الذي تسمت به المدينة بأكملها ، بدأنا بجولة في وسط المدينة شملت ساحة ستيفنز وكاتدرائية ستيفن الشهيرة في وسط المدينة ، كان المركز نابضا بالحياة ، وجدنا المحال التجارية العتيقة بقرب أشهر الماركات العالمية فيما تنتشر عروض الموسيقى والأوبرا والمسرحيات في كل مكان تقريبا ، كانت العروض الحية تقام في كل مكان ومن كل مكان بما في ذلك عروض الهنود الحمر مقابل قطع نقدية معدنية لاتتعدى قيمتها قطعة شوكلاته !. تساءل صديقى عن غياب الثقافة العربية بعروضها وفنونها والتي كنت أجزم بأنها ستدهش الجميع بلا منافس ، فلاأعتقد أن أحد سيتجاهل العرضة النجدية أو الدبكة السورية أو المزمار الحجازي أو حتى رقصة الحرب الشمالية ، أعتقد أن الملبوسات التراثية ستغري الحميع بلبسها وأخذ صورة فوتوغرافية بها ، فكثير من الشعوب مغرمة بممارسة ثقافة الآخر ، تسأءلت عن دور الملحقيات الثقافية في إقامة مثل هذه العروض في هذا الوقت من السنة والتي تشهد فيه أكثر مدن العالم حشودا سياحية تهب من كل جهة ، وفيما أنا أتساءل لفت نظري مجموعة من الشبان والشابات ينظمون حملة تطوعية ضد تعذيب الحيوان عارضين صور فظيعة ومرهبة كادت تفسد علي رحلتي ، أعجبت بفكرة استغلال هذا التجمع في نشر نشر أفكار هذه الجمعية ، تذكرت على الفور استغلال تلك الجماعات المتطرفة لمحافل معينة لنشر أفكارها المتطرفة الداعية إلى قتل الإنسان أيا كان دينه أو مذهبه .
مايميز فيينا أنها مدينة للثقافة والفن ، ففيها توجد أشهر المؤسسات الأكاديمية في مجال الثقافة والفن والموسيقى ، وفيها تقام أشهر الحفلات المسيقية الكلاسكسية لعزف مقطوعات أشهر الموسيقيين العالميين ، كنت أخفى رغبة داخلية بحضور حفلة موسقية كلاسكسية يكون سيدها الحاضر الغائب الموسيقار موزارت ، ولم أكاد أنتهي من استرجاع هذه الرغبة حتى صادفت كشكا صغيرا لبيع تذاكر لحفلة للموسيقى الكلاسيكية وعلى الفور اشتريت تذكرتين لصديقي ولي ، كنت أعتقدها خاصة بمعزوفات موزارت إلا أنها شملت موسيقاريين عالميين مثل بيتهوفن و تشايكوفسكي ، أخذنا تفاصيل الزمان المكان ، وفي الوقت المحدد كنا على مدخل المسرح والذي أقيمت فيه حفلة تاريخية في اللحظات التي سبقت دخول العام 2000م ، أخذنا أحد المنظمين لمقاعدنا المخصصة وكنا على إطلالة مباشرة للفرقة الموسيقة ، كانت القاعة "القاعة الذهبية" تحمل عبقا تاريخيا وثقافيا وتعتبر أحد أشهر القاعات الموسيقية في العالم ضمن ثلاث قاعات أخرى ، أعادت تلك الأوتار للنفس بهجتها ، فلم أكن أصدق أنني أستمع مباشرة لتلك الأنغام التي صنعتها أنامل موزارت أو بيتهوفن بعبقريتهم التي لم توقفها إعاقة أو تعرقلها مشاكل الحياة التي عايشوها .
في اليوم التالي قررنا أن نأخذ جولة سياحية في المدينة عبر الباص السياحي والذي تعلمنا أن نعتمد عليه في أي مدينة سياحية كونه أعرف بالأماكن السياحة مع إعطاء نبذة عن كل مكان سياحي ، لاحظنا كثرة السياح من دول أسيا وخاصة من اليابان والذين خُصصت لهم نشرات خاصة بلغاتهم ، إستقلينا الباص السياحي والتي كانت موزعة في مساراتها حسب الأماكن السياحية ، مررنا على العديد من المتاحف والمؤسسات الأكاديمية الفنية والثقافية و"منظمة الأوبك" واختتمنا زيارتنا ببرج الدانوب والذي يبلغ أكثر من 250م بإطلالة جميلة على جزء كبير من مدينة فيينا ، تتجلى روعة المدينة خلال هذه الإطلالة حيث يغلب اللون الأخضر على مسطحات المدينة فيما تتنافس مدننا الخليجية فيما بينها بغابات الإسمنت ، في بريطانيا تظهر الجمعيات والجماعات وربما الحكومة ذاتها مدافعة عن البيئة بسن القوانين التي تحد من استخدام أكياس البلاستيك في الأسواق وتشجع على نشر ثقافة الإهتمام بزيادة المسطحات الخضراء ، في لندن وحدها التي تعتبر محط أنظار رجال الأعمال ورقعة الإقتصاد العالمي تحتل المساحة الخضراء نسبة كبيرة منها قد تنافس المساحة التجارية رغم غلاء المتر المربع ، وبالقرب من أشهر شارع تجاري في أوروبا "شارع أكسفورد" وبمحاذاة حي الأثرياء "المايفير" وبالقرب من قصر باكنقهام توجد أكبر حديقة خضراء عامة في لندن هي الهايد بارك خصصت للعامة رغم إمكانية إستغلال المكان تجاريا !.
في الليل عدنا إلى الفندق كنت على موعد مع ليلة أودع فيها فيينا ، أضافت هذه المدينة الشئ الكثير إلى ذاكرتي كما هذبت بنغمها الجميل أعماق روحي ، لم أكن أتوقع أن تفاصيل شوراعها وألحان أوتارها ونسمات جوها العليل ستبقى في ذاكرتي حتى كتابة هذه الأحرف التي تتوشح بعبق هذه المدينة ، كم أغبط المهندس علي النعيمي حين يعانقها بإستمرار لولا أنه يعكر نسيمها العليل برائحة النفط .














11 أكتوبر، 2008




20 سبتمبر، 2008

جولة في سالزبورغ ..مدينة الثقافة والفن .. مذكراتي الخاصة عن رحلتي إلى النمسا ( 15 )


مازلنا نسير على خطتنا السياحية بدقة ، فبعد قضاء يومين في انترلاكن ، كان لابد أن نودعها متجهين إلى النمسا وتحديدا إلى زيلامسي ، وكعادتي في الوداع أكتفي بنظرات فقط !. لاأعتقد أنني سأنسي هذه المدينة - انترلاكن- بسحرها الريفي وبهدوئها الذي نقى أعماقي مما علق بها خلال سنوات ، عرفت قدرة المسطحات الخضراء والأجواء العليلة على محو صورة الصحراء بعواصفها ورمالها وحرارة أجوائها ، وكأني بأحدهم ينكر علي كرهي وبغضي للصحراء ! نعم أكرهها ، فليس هنالك مايبعث الروح وينقي النفس ويبشر بالحياة فيها ، ليس في الصحراء سوى الظمأ والظلم والجفاف والجهل . في طريقنا للخروج من سويسرا مررنا بمدينة "زيورخ" المدينة التي فازت لمرات عديدة بالمرتبة الأولى كأفضل مدينة للمعيشة لما تتميز به من هدوء ونظافة وتنظيم وجاذبية ، كما يوجد بها أفضل الخدمات المصرفية ، لم يكن لدينا سوى أقل من ساعتين للتجول في المدينة انتظارا للقطار الآخر الذي سيقلنا إلى مدينة زيلامسي في النمسا ، أخذنا جولة سريعة على أحد أهم وأطول الشوارع التجارية في زيورخ المؤدي إلى بحيرة زيورخ الجميلة ، ويشتهر هذا الشارع بالماركات العالمية الشهيرة ، توجهنا بعد ذلك لبحيرة زيورخ الجميلة والتي تظاهي بحيرة جنيف في جمالها وروعتها . تحركنا من زيورخ في الموعد المحدد ، ورغم طول الرحلة إلا أنها كانت ممتعة بسبب مرورنا بمناظر ومشاهد جميلة كانت مسلية لنا طول رحلتنا ، وصلنا زيلامسي ونزلنا المحطة متوقعين أن هنالك خطوات إجرائية كوننا قادمون من دولة أخرى ، إلا أننا تفجأنا بعدم وجود أيا من ذلك ، توجهنا إلى مسكننا مشيا على الأقدام وقد صادف وصولنا مهرجانا في ذات المدينة استمر إلى ساعة متأخرة من الليل ، لم تكن المدينة مختلفة كثيرا في معالمها عن مدينة انترلاكن السويسرية ، غير أن عاملها المشترك هو السائحة الخليجية بأزيائها الصارخة و"مكياجها" النافر وكأنها في طريقها إلى حفلة ليلية ، دائما ما أتساءل : ألا يغرن من نساء ذات البلد حين يخرجن بلا ألوان أو ديكور ومع ذلك يبزهن بجمالهن الطبيعي ؟! . طرح صديقي فكرة زيارة مدينة "سالزبورغ" في اليوم التالي ، وصادفت هذه الفكرة رغبة داخلية في زيارة منزل الموسيقار العالمي الشهير "موزارت" ، وافقت على الفور ، وانطلقنا في صباح اليوم التالي متوجهين إلى "سالزبورغ" ، لم تواجهنا مشكلة المواصلات قط في أوروبا ، ليس هنالك مكان يستحيل الوصوله إليه ، جميع الخيارات متوفرة للوصول إلى أي مدينة نفكر فيها ليلا ، فيما لم أجد وسيلة غير سيارتي الخاصة للوصول إلى بيت الله الحرام من قريتي الصغيرة التي تقع على طريق دولي . وصلنا سالزبورغ ، وعلى الفور اشتركنا في جولة سياحية لمدة ساعة ونصف اختصرت علينا الكثير ، كانت المدينة غالية جدا بسبب سمعتها السياحية التي اكتسبتها كونها مدينة للموسيقى إضافة إلى اشتهارها بكونها مكانا للفلم الشهير الذي لم أسمع عنه إلى هنالك وهو "The Sound of Music " والذي جذب خلال سنوات أكثر من أربعين مليون سائحا على حد قول مرشدتنا التي كانت تذكر المدينة بكل شئ حسن حتى في محادثاتنا الجانبية لدرجة أنها كانت تحاول اقناعنا للجلوس يوم آخر في المدينة لاستكشافها بشكل أكبر ، كانت تعطينا إجابات مفصلة لأسئلتنا القصيرة . كانت المدينة حيوية بكثرة سياحها وبكثرة الموسيقى التي كنا نجدها حية في كل شارع ، وكانت تبعث في الحيوية و"السلطنة" ، كنت متلهفا لزيارة منزل الموسيقار موزارت ، وفي طريقنا للمنزل استوقفتنا فرقة موسيقية كلاسكسية كانت تعزف مقطوعة موسيقية كلاسيكية لموزارت ، تبعث الموسيقى الكلاسيكية على التأمل والإنشراح ، كثيرا ماأتساءل عن تراثنا الموسيقي الذي يرتقي لأن يكون عملا عالميا .. ولم أجد !. توجهنا لمنزل موزارت والذي شهد مولده وطفولته فقط ، رأينا أول "بيانو" عزف عليه كما تعرفنا على كثير من مستلزماته الخاصة إضافة إلى بعض جوانب حياته ، كانت المدينة تصغي لمقطوعاته الموسيقية التي تعزفها الفرق الموسيقية والأشخاص دون مقابل إلا من بعض النقود التي يرميها المارة والمستمعون ، كما تنتشر التذاكر للحفلات الموسيقية في أرجاء المدينة ، إضافة إلى الكثير من التذاكر التي تخص المسرحيات الموسيقية والعروض الشعبية والفنية في مسارح مفتوحة ، لايمكن أن يكون للملل ومفرداته مكان في سالزبورغ .









10 أغسطس، 2008

صفاء النفس في جنة "إانترلاكن" السويسرية الساحرة .. مذكراتي الخاصة عن رحلتي إلى سويسرا ( 14 )



كان صباحا سويسريا جميل ابتدأته بمداعبة الخبز الريفي مع الجبن السويسري والعسل ، قمنا بتسليم مفتاح الغرفة إيذانا بالمغادرة دون أن يكون هنالك أي تفيش كما يحدث كثيرا هناك ، توجهنا لمحطة القطار حيث الرحلات على مدار الساعة إلى المدينة المجاورة "انترلاكن" ، كنت أتمنى أن أمكث وقتا أكثر في جنيف لاستنشقها كما استنشقت لندن بمعالمها وشخصياتها ، صعدنا القطار بعدا أن تأكدنا من موعد الرحلة والتي قد تتأخر دقيقة أو دقيقتين أو أكثر بعكس قطارات لندن التي تأتي في الوقت المحدد وتكاد أحيانا أن تقفل أبوابها قبل أن ندخلها صديقي وأنا ، غير أن مايميز قطارات سويسرا عن بريطانيا هو فخامتها وجودتها ، كانت الرحلة إلى العاصة "بيرن" ومن ثم إلى مدينة "انترلاكن" ، نزلنا في محطة بيرن انتظارا للقطار الذي سيقلنا إلى "انترلاكن" ، صادفنا عائلة سورية من أب وأم وأربعة أبناء في ضيافة عجوز سويسرية ، طلبت مني العجوز أن أبعد حقيبتي لتتمكن من الجلوس ، بعدها سألتني عن موطني فأخبرتها أنني من السعودية ، حينها سمعتني المرأة السورية ودخلت معنا في الحوار ، أخبرتني فيما بعد بأنهم قدموا إلى هنا بحثا عن العمل وأنهم تعلموا اللغة الألمانية خلال ثمانية شهور فقط كونوا فيها علاقة جيدة مع العجوز "كريستينا" والتي استضافتهم في رحلة خاصة على إحدى البحيرات السويسرية ، كانت المرأة السورية وزوجها يتحدثون عن أملهم في مستقبل أولادهم والذين سيتقنون خمس لغات بعد إنتهائهم من دراسة المرحلة العليا التي تعادل المرحلة الثانوية لدينا في السعودية ، تولدت لدي لحظتها رغبة عارمة في تعلم اللغة الألمانية والتي تشترك في مفردات كثيرة مع اللغة الإنجليزية فيما لازال الخلاف قائما لدينا حول تأثير تعلم لغة أخرى في المرحلة الإبتدائية على عقيدة الطالب !.

وصلنا "انترلاكن" وما أن خرجنا من محطة القطار حتى تفاجأنا بالمناظر الساحرة والطبيعة الخلابة والهواء المنعش وكثرة السياح ، أزالت النسمات الرقيقة كل هموم وأتعاب السنة الماضية ، كان الفندق قريب جدا من محطة القطار الغربية حيث يوجد محطة قطار شرقية في قرية لاتتجاوز مساحتها أحد أحياء الرياض ، وصلنا الفندق وكالعادة أنهينا الإجراءات بسرعة كبيرة دون توصيات أو أسئلة تطفلية ، لم أستطع أن أقاوم الرغبة في التجول في المدينة في يوم وصولنا ، كانت المدينة صغيرة جدا لكنها تتميز بهدؤها ورقتها التي جعلت منها مدينة مناسبة جدا للإستجمام والراحة وممارسة الهوايات كالتسلق والتزلج والطيران الشراعي ، قررنا الذهاب إلى قمة جبلية تتطل مباشرة على "انترلاكن" وفي طريقنا إلى مدخل القمة شاهدت النهر الذي يخترق المدينة بزرقته التي أدهشتني حيث أنني لم أرى نهرا بزرقته سوى تلك الأنهار التي كنا نرسمها أيام الطفولة في حصة التربية الفنية التي تجاهد البقاء كمادة فنية مع باقي مواد الحفظ ، صعدنا القمة عبر قطار يمر بسكة حديد تحتفل هذا العام بمرور 100 عام على تأسيسها ، تعجبت كثيرا من قدرة هؤلاء قبل 100 عام على تشييد هذه السكة التي تصعد بنا إلى ارتفاع 1300 متر في أقل من ربع ساعة بإنحدار حاد ، وعندما وصلت القمة أسرني جمال من المدينة أو القرية كما يسميها صديقي ، إلتقطت كثير من الصور فيما عيني غير مصدقة لما تشاهد من مناظر ساحرة وهي التي اعتادت لسنوات على مشهد الصحراء التي لا أحبها ولا أفكر أن أحبها .


سألني صديقي عن أول من اكتشف هذا المكان الجميل من العرب ، أخبرته أن العرب لايكتشفون ، لكنني متيقن بأن السائح الخليجي خصوصا ساهم في دعم السياحة في في سويسرا كما أشار تقرير قرأته قبل زيارتي لها ، الخليجي قد يكون من أكثر عملاء فنادق الخمس نجوم ، والخليجي هو الزبون المتردد على محلات الساعات الفاخرة التي أكتفي بمشاهدتها فيما هي في المشهد العربي أغلى وأنفس من الوقت ذاته ، همست في أذن صديقي بأنني لن أشتري ولن أستطيع أن أشتري ساعة بهذا السعر بعد أن شاهدت أسعارها الخيالية .


كان من ضمن خطتنا أن نذهب لأعلى قمة في أوروبا "يونفرو" التي يبلغ ارتفاعها أكثر من 3400 متر في قمة يكسوها الجليد وفي طريق يكسوه اللون الأخضر بلا استثناء ، قمنا بقطع التذكرة لرحلة تزيد على الست ساعات ، صحوت في الصباح الباكر وكلي لهفة لهذه الرحلة التي ستصعد بي لأعلى قمة في جبال الألب الجملية ، وبالفعل لم تكد تكمل الساعة العاشرة دقيقتها الأخيرة حتى حجزت مقعدي في القطار الجبلي ، ومن محطة لمحطة كنا نتوقف لتبديل القطار وكنت أنا أستغلها فرصة في إلتقاط بعض الصور التي أخبرونا أنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة ! إلتقطت الكثير من الصور حتى انتهت بطارية الكاميرا والتي كادت أن تحول رحلتي إلى بؤس لولا أنني تذكرت أنني أحمل جولا بكاميرا والتي لم استخدمها إلا قليلا ، واصلنا الصعود للقمة وفي كل مرة يشتد البرد حتى وصل إلى أقل من درجة الصفر في أعلى القمة البيضاء ، صادفت في طريقي للقمة بعض الأغنام التي تحمل في عنقها أجراسا ذركتني بحياة "هايدي" في قصتها الشهيرة التي جرت أحداثها في جبال الألب تذكرت معها أيام الطفولة الجميلة ، وبعد أن وصلت القمة كنت أرتجف من شدة البرد، دخلنا متحف الثلج الذي كان يحتوي نقوشا بارعة ومتقنة ، التقطت بواسطة جوالي البائس بعض الصور ذات الخلفية المكسوة بالثلج ، في ذات اللحظة أرسل لي أخي رسالة يبشرني فيها بالرياح الرملية التي تمحو كل ذكرى تحمل بياض الثلوج .


كنت أتأمل بجميع جوارحي في المناظر التي صادفتني في طريق الذهاب والإياب ، أصدقكم القول أنني تمنيت أن أملك قيمة عشر ساعات باهضة الثمن من ماركة "رولكس" لأشتري بها كوخا في "انترلاكن" فيما أصحاب الأموال لايفكرون إلا في مضاعفتها على حساب الفقراء ! أعترف لكم أن الريف السويسري قد حدد لي معالم قليلة من جنة الآخرة ، فهم الآن يعيشون الآن في جنة الله في أرضه .


أعترف لكم أيضا بأن مدينة "انترلاكن" مدينة فريدة في حياتي رغم زيارتي لمدن ماليزية كنت أعتبرها الأجمل إلا أن "انترلاكن" بهدوؤها ورقتها وجمالها وسحرها قد استحلت مساحات من قلبي ، لم أصدق أو لا أريد أن أصدق صديقي حين قال لي أن الليلة هي آخر ليلة لنا في "انترلاكن" قضيت جزءا كبيرا من تلك الليلة في بلكونة الفندق أتأمل ليل "انترلاكن" بجبالها التي أسرتني وأنستني موعد العودة إلى قريتي "الحبيل"! لكنني أدركت الواقع وحزمت حقيبتي المسكينة مبكرا استعدادا للذهناب لقرية "زيلامسي" في النمسا .

































09 أغسطس، 2008

الطريق إلى جنيف .. مذكراتي الخاصة عن رحلتي إلى سويسرا ( 13 )


من غرفتي في وسط جامعتي في مدينة ليستر شمال لندن قررنا البدء صديقي وأنا في التخطيط لرحلتنا الإستكشافية والتي ستشمل مدينتي جنيف وانترلاكن في سويسرا ومدينتي زيلامسي وفينا في النمسا ، ومن خلال تجربتنا في السفر إلى باريس في الربيع السابق تكونت لدينا خبرة جيدة نتيجة للأخطاء الفادحة التي وقعنا في فيها بسبب الحجز ، تعلمنا أن الأوروبيين يعتمد على الحجز المبكر في تنظيم رحلاتهم وهو ما اعتمدناه في رحلتنا هذه حيث بدأنا بحجز الفنادق قبل شهر من الرحلة وهو موعد لايعتبر مبكرا بالمقاييس الاوروبية والتي تتيح تخفيضا سخيا للحجز المبكر ، كان الحجز سهلا جدا مع توفر مواقع الحجز على شبكة الانترنت حيث تجد فندقا في قرية قصية بزوارها المعدودين مسجلا اسمه في مواقع الحجز الاليكترونية . قررنا أن نقضي يومين في مدينة جنيف والذي يحسبها الكثير عاصمة لسويسرا إلا أنها ليست كذلك رغم شهرتها العالمية التي تفوق بكثير العاصمة السويسرية "بيرن" والتي يسمع عنها القليل ، اكتسبت جنيف سمعتها كونها مقرا سابقا لعصبة الأمم المتحدة وبعض المنظمات الدولية . فيما قررنا أن نقضي يومين في قرية انترلاكن ثم السفر بعد ذلك إلى النمسا . بعد أن حجزنا الفنادق عن طريق الانترنت والذي لايتطلب سوى بطاقة فيزا ، قمنا بحجز رحلات الطيران من لندن إلى جنيف للذهاب ومن فينا إلى لندن للعودة ، لم يكلفنا الحجز مبلغا كبيرا نظرا لاعتمادنا على الطيران الإقتصادي المنتشر في اوروبا والذي يتيح للمسافر الطيران بأسعار رخيصة كلما كان الحجز مبكرا . انطلقنا في صباح لباكر بعد أن أنهينا السنة الأولى والمخصصة للغة ، انطلقنا إلى مطار "قاتويك" في لندن والتي بدورها تحتوي على خمس مطارات أحدها أكبر مطار في أوروبا والثالث عالميا ويتوقع أن يصبح الأول بعد الانتهاء من الصالة الخامسة والتي ستكون أكبر من جميع الصالات ، وصلنا للندن ثم قطعنا التذاكر عن طريق جهاز إلكتروني وذلك للتوجه للمطار مباشر عبر قطار مخصص لذلك ، يعجبني في لندن اهتمامها الكبير بإيصال المسافر إلى مطاراتها عبر قطارات مخصصة لهذا الغرض ، وما إن وصلنا المطار حتى تفاجأت بكبره وتنظيمه الرائع ورغم كبر المطار "قاتويك" إلا أن الانتقال بين صالاته كان سهلا عن طريق القطار السريع الذي يربط صالاته ، وصلنا للصالة الشمالية والتي ستنطلق رحلتنا منها ، وصلنا للكونتر المخصص للشركة التي حجزنا عليها حيث أنهينا كل مايتعلق برحلتنا في أقل من ثلث ساعة ، تجولنا بعدها في المطار الذي يعتبر مطارا دوليا ثانويا رغم تنظيمه الرائع وكبر مساحتها ، ترك هذا المطار انطباعا جيدا عنه بخدماته وتسهيلاته ، تساءلت عن الانطباع الذي يتركه مطار جدة في نفوس الملايين من الحجاج وغيرهم والذين كانوا يظنون أنه من أفضل مطارات العالم !. صعدنا الطائرة الإقتصادية والتي تضاهي بحجمها ونظافتها وترتيبها طائرات ناقلنا الوطني ، وبعد ساعة وربع كنا في مطار جنيف الذي كان مزدحما ورغم ذلك أنهينا إجراءات الجوازات بسرعة كبيرة رغم الإزدحام ، وأول ما لاحظته في المطار هو كثرة الإعلانات التجارية الخاصة بشركات الساعات حيث نجدها في زاوية في المطار ووجدناها فيما بعد في كل زاوية في مدينة جنيف ، ومن المدهش أن مطار جنيف أقل جمالا وتصميما من مطار الرياض إلا أن تعامل موظفيه وانسياب الحركة والتنظيم الرائع أفضل بكثير من ممايحدث في مطار الرياض ، تعاملت أكثر من مرة مع الموظفين هنا في جنيف فكانوا في غاية التقدير والإحترام والرحابة وهذه الحقيقة تغيض أحد أصدقائي الذي يكره أن يعترف بأي خلق حسن "لكافر" أوروبي فيما يختصر كل أخلاقنا في الكرم !. لكنها الحقيقة التي لا أتراجع عن قولها ، ولكي تتأكدوا من ذلك حاولوا أن تتعاملوا مع أحد موظفي الخطوط السعودية والتعامل مع أي موظف في مطارات أوروبا لتعرفوا الفرق وتعاينوه بأنفسكم . استقلينا قطار أوصلنا إلى المحطة الأقرب لفندقنا ، أكلمنا اجراءات الدخول واسترخينا قليلا ثم قررنا أن نتجول قليلا حول بحيرة جنيف والتي توجد فيها نافورة جنيف الشهيرة رغم أنها لاتزيد ارتفاعا عن نافورة جدة ، حاولت أن أعيش داخليا حياة الأغنياء الذين يتواجدون بكثرة في جنيف إلا أن ساندوتشين من الشاورما التركية كانت كفيلة بإبعاد هذا الوهم والتفكير حيث كان سعرها يعادل أكثر من خمسين ساندوتشا في جدة !! لاحظت كثرة محلات الساعات الفاخرة بأسعارها الباهضة والتي يتجاوز سعر الساعة الواحد من ماركة "رولكس" تكاليف رحلتنا بأضعاف وتكاليف دراستي لمرحلة الماجستير بالتمام !!. لاحظت أيضا كثرة السياح من دولة الكويت وقلة السياح من السعودية ، أخبرت صديقي بأن كثير من المسافرين الخليجيون لايعرفون من السفر إلا حجوزات الإنتظار وساعات الليل كما قال الكاتب تركي الدخيل ، وإن كنت لا أمانع من ساعات الليل بأضواءه البهية إلا أن للنهار متعته الخاصة في استكشاف ثقافة البلد عبر رحلات سياحية وهو مالايحبه كثير من الخليجيين ، لاأحب أبدا أن أزور دولة دون أكتشف ثقافتها بتذوق مأكولاتهم والتجول في أسواقهم الشعبية وممارسة أسلوب حياتهم . أخذنا جولة بحرية قصيرة بالقارب لاتتعدى العشر دقائق في بحيرة جنيف حيث نزلنا في الطرف الآخر ، جذبتنا رائحة الشوارما التركية فقررنا أن نتناول وجبة خفيفة كلفتنا ضعف قيمة وجبة دسمة في أحد أفظل مطاعم السعودية ! أدركنا بعدها غلاء المعيشة في جنيف وإن كنا قد اكتسبنا مناعة قوية من غلاء بريطانيا إلا أن سويسرا كانت بالنسبة لنا الأغلى من ناحية المعيشة اليومية على الأقل ، أكملنا جولتنا ثم عدنا للفندق لننام مبكرا حيث موعدنا مع رحلة بحرية في بحيرة جنيف . صحونا في الصباح الباكر وتناولنا وجبة الإفطار في الفندق حيث الخبز الريفي الذي يعجبني ولايعجب صديقي ، ذهبنا بعد ذلك للكشك المخصص لبيع التذاكر البحرية واخترنا لرحلة بحرية لمدة ست ساعات ستتوقف الباخرة خلالها في قرية فرنسية تطل على بحيرة جنيف ، اعتقدنا في البداية أن الرحلة ذهبا ستكون طويلا إلا أنها كانت أقصر مما نتوقع بكثير ، وصلنا القرية الفرنسية التي تطل على بحيرة جنيف واسمها باللغة الفرنسية "Yvoire" ورغم صغر القرية إلا أنها كانت مكتظة بالسياح ومجهزة بالخدمات السياحية ، ولاحظنا أن المحافظة كان سمة القرية حيث لم نجد أي مطعم من المطاعم العالمية ، ولاحظنا الزهور الجميلة معلقة في أرجاء القرية ، قررنا تناول وجبة خفيفة فكان الإختيار على الفطائر الفرنسية المفظلة لدي ، اخترنا مطعما شعبيا وطلبنا الفطائر وتناولناها داخل المطعم ، غادرنا المدينة بعد تجولنا في أزقتها وتناولنا فطائرهم وعشنا فيها لحظات من حياتهم الجميلة ، حدثت صديقي أننا نفتقد لمفهوم السياحة في مكة خصوصا ، حيث ملايين الحجاج يأتون ويغادرون ولايعرفون عن الحج والعمرة إلا الحج والعمرة ، تساءلت : لماذا لايكون هناك سوق مخصص للتذكارات الخاصة بأيام الحج ويكون صنعها مكة لا الصين، لماذا لايكون هنالك معرض يخصص لتعريف الحجاج بعمارة الحرمين والثقافة المكاوية والأكلات الشعبية ، لماذا لاتكون هنالك أفلام سينمائية توضح للحجاج مراحل الإسلام وثقافة مكة والمدينة ، لماذا لاتكون هنالك مناسبات خاصة ليرى الحجاج العادات والتقاليد المكاوية والألعاب الشعبية ، عندها سيعود الحجاج إلى أوطانهم وقد تعلموا الشئ الكثير وتعرفوا على ثقافة البلد الذي زاروه وتكون رحلتهم رحلة إيمانية وتثقيفية . غادرنا القرية الفرنسية متوجهين إلى جنيف ، وجنيف مدينة لاتعرف لها وجه محدد ، فكثير من القرى والمدن الفرنسية قريبة جدا منها ، وبعضها يبعد أقل من 60 كلم ، وأهلها يتحدثون اللغة الفرنسية بالإضافة إلى الألمانية وقليل منهم يتحدث الإنجليزية ، وجنيف شهيرة جدا ورغم ذلك فهي ليست العاصمة ، وجنيف مدينة يكثر في الآثرياء ببذخهم ورفاهيتهم ، ويزورها سنويا أكثر من 30 ألف سائح خليجي ، وتمثل السياحة في سويسرا مصدر دخل مهم ، ولايوجد جيش نظامي في سويسرا !. طلبت من صديقي أن نتجول ليلا حول بحيرة جنيف الجميلة ، فمن عادتي أن أرى المدينة ليلا ونهارا ، وقد كانت البحيرة تعج بالسياح والأنشطة حتى ساعة متأخرة ، عدنا بعدها إلى الفندق استعداد للسفر إلى مدينة "انترلاكن" التي تمثل الريف السويسري الساحر الجمال .