الأربعاء، ١٣ يناير، ٢٠١٠

"بــــــــاي بـــــــاي لــندن !!".. مذكراتي الخاصة عن رحلتي إلى بريطانيا ( 18 )

ولو كان لي أدنى اتصال بغازي القصيبي سفيرنا السابق في لندن ، لاستأذنته في سرد مقاله بذات العنوان هنا مع استبدال مفردة طالب بـ "السفير".

غدا أودع لندن وما أمره من وداع ، على الرغم من أن وتيرة الحياة هنا لاتسمح بأدني حس روحي ، كيف لي أن أودعها وأنا لا أستطيع أنا أستقطع من وقتي دقائق خوفا من أن يفوتني قطار محطة "الباديتقتون" المتجه نحو مطار "هيثرو" ، وهناك في ذلك المطار للمشاعر قصة أخرى ، ملايين المشاعر تتبادل وتتنافر وتتلاقى وأخيرا تتفارق .

كان قدري أن أتوه قليلا في اليوم ماقبل الأخير لأعبر بقرب السفارة السعودية القابعة في أرقى أحياء لندن: حي "المايفير" ، وهي التي كانت عبارة عن منزل للندني شهير باعه من الحكومية السعودية بمبلغ 50 مليون جنيه إسترليني ، حدثني صديقي الكويتي أن حديقة سفارتهم هي حديقة الهايد بارك ، أخبرته بدوره أن سفارتنا تقع في "البلوك" الأهم حيث يتمنى أثرياء ومشاهير السكن هنالك للحصول على عنوان عالمي يعرفه الكثير .

كل ذلك لايهمني بقدر مايهمني هو ذلك الركن الحر الذي لايبعد كثيرا عن حي "المايفير" حيث تتلقى الملكة الشتائم والمدائح دون أن يجرؤ جندي المساس بذاك العربي أو الأفريقي الشاتم ، أية أنظمة تلك التي منحت ذلك الإسلامي المتطرف أن يروج لمنهجه دون أن يمسه أحد احتراما للموروث الديموقراطي لبريطانيا ، ألا يستحق مني ذلك الركن "ركن المتحدثين" أن أقولك له وداعا .

أما هنالك على ضفة نهر التايمز حيث المتعة والبهجة ، الكثير يتسولون المال مقابل البهجة ، فيما نحن نتسول البهجة مقابل القليل من المال ، هنالك من يخلق البسمة ، وهنالك من يصنع السعادة في ثوان ويدخلها في قلوب المارة ، كل ذلك دون أن يعكر سوف البسمة ناعق باسم الفضيلة ، أو داعية يحذر من نار لايخافها هو ، ألا يحق لي أن أقول لهذا الشارع : وداعا.

في لندن ، أستطيع السفر لأي مدينة حول العالم في عملية لاتستغرق مني الساعة ، أستطيع أن أسافر إلى "الغردقة" التي ربما لم يزرها نصف المصريين ، وذلك من أحد مطارات لندن عبر حجز لايستغرق الدقائق الخمس ، أستطيع أن أسافر عبر أربعة مطارات دولية تصلها جميع وسائل النقل عبر الساعة ، وأنا الذي لاأستطيع السفر لأقدس البقاع من مثلث "القوز" سوى ساعة بعد الفجر ومثلها بعد العصر ، ألا يحق أن أودع لندن بتسهيلاتها التي لم أجدها حتى في بعض العواصم الأوربية الأخرى ؟!.

في لندن تتحول إجازة الأسبوع إلى حفلة أسبوعية للثقافة والغواية ، حفلة للهروب والقدوم ، وما أن تشرق شمس الأثنين ، حتى تتحول لندن إلى إنضباط وعمل بما فيها الملحقية الثقافية السعودية في لندن التي تجاهد هذه الأيام أن تمارس النظام رغم إدمان الفوضى ، وهنا سأودع النظام بدل أن أضيع عبارات الوداع في وداع وجه آخر من وجوه لندن.

في أي شارع في بريطانيا ، يسير الشخص بعزته وحريته التي وجدت معه منذ خلقه ، لايصادف أحدا يسأله عن طوال بنطاله ، أو شكل فنيلته ، أو يحاسبه إن صلى للله في الوقت المحدد ، لايصادف أحد يحاكمه في عدد ركعاته أو يحسب له عدد تسبيحاته ، وهنا أقولها من قلبي : وداعا.

وداعا لندن ، ومن الغباء الممزوج بالغرور إن ضننت أن لندن ستلتفت لي ثانية واحدة وهي التي لم تلتفت لسفيرها دقيقة واحدة ، ذلك الذي عاش فيها شبابه وجزء من خمسينيات عمره ، سأفتقدك يوميا في ساعات الداوم وساعات العبادة ، لكنني سألعنك في بضع ساعات ، وعذرا .. فأنتي لاتعيرين اهتماما لأحد ، ولاتدعين حتى وصلا.











الأحد، ١٤ ديسمبر، ٢٠٠٨

"ليالي الأنــس في فيينـا".. مذكراتي الخاصة عن رحلتي إلى النمسا ( 17 )


لم تستطع "أسمهان" بأغنيتها "ليالي الأنس في فيينا" أن تمحو صورة فيينا النمطية من ذهني والمرتبطة بمنظمة الأوبك العالمية للدول المصدرة للنفط في رمزية عجيبة تدل على تغلب الزيت في حضوره على الفن ، غير أن أول جولة خلال شوارعها كانت كفيلة بمحو صورة تراكمت عبر سنوات يتوسطها الوزير الطموح المهندس علي النعيمي والذي أثق أنه يشعر بأقصى درجات الطمأنينة حين يغفو في أحد أفخم فنادق فيينا في أحد اجتماعات المنظمة لإستحقاقه ذلك بجدارة فيما يتذكر أن هذه الغفوة كلفته الصعود من أول درجة في السلم إلى آخر طابق من مبنى المنظمة وسط فيينا .
حسنا .. مازلت أحاول جاهدا أن أمحو صورة النفط من ذهني للحظات لأسمع فيها أنغام الموسيقى الكلاسيكية وأستنشق الهواء العليل الذي تسمت به المدينة بأكملها ، بدأنا بجولة في وسط المدينة شملت ساحة ستيفنز وكاتدرائية ستيفن الشهيرة في وسط المدينة ، كان المركز نابضا بالحياة ، وجدنا المحال التجارية العتيقة بقرب أشهر الماركات العالمية فيما تنتشر عروض الموسيقى والأوبرا والمسرحيات في كل مكان تقريبا ، كانت العروض الحية تقام في كل مكان ومن كل مكان بما في ذلك عروض الهنود الحمر مقابل قطع نقدية معدنية لاتتعدى قيمتها قطعة شوكلاته !. تساءل صديقى عن غياب الثقافة العربية بعروضها وفنونها والتي كنت أجزم بأنها ستدهش الجميع بلا منافس ، فلاأعتقد أن أحد سيتجاهل العرضة النجدية أو الدبكة السورية أو المزمار الحجازي أو حتى رقصة الحرب الشمالية ، أعتقد أن الملبوسات التراثية ستغري الحميع بلبسها وأخذ صورة فوتوغرافية بها ، فكثير من الشعوب مغرمة بممارسة ثقافة الآخر ، تسأءلت عن دور الملحقيات الثقافية في إقامة مثل هذه العروض في هذا الوقت من السنة والتي تشهد فيه أكثر مدن العالم حشودا سياحية تهب من كل جهة ، وفيما أنا أتساءل لفت نظري مجموعة من الشبان والشابات ينظمون حملة تطوعية ضد تعذيب الحيوان عارضين صور فظيعة ومرهبة كادت تفسد علي رحلتي ، أعجبت بفكرة استغلال هذا التجمع في نشر نشر أفكار هذه الجمعية ، تذكرت على الفور استغلال تلك الجماعات المتطرفة لمحافل معينة لنشر أفكارها المتطرفة الداعية إلى قتل الإنسان أيا كان دينه أو مذهبه .
مايميز فيينا أنها مدينة للثقافة والفن ، ففيها توجد أشهر المؤسسات الأكاديمية في مجال الثقافة والفن والموسيقى ، وفيها تقام أشهر الحفلات المسيقية الكلاسكسية لعزف مقطوعات أشهر الموسيقيين العالميين ، كنت أخفى رغبة داخلية بحضور حفلة موسقية كلاسكسية يكون سيدها الحاضر الغائب الموسيقار موزارت ، ولم أكاد أنتهي من استرجاع هذه الرغبة حتى صادفت كشكا صغيرا لبيع تذاكر لحفلة للموسيقى الكلاسيكية وعلى الفور اشتريت تذكرتين لصديقي ولي ، كنت أعتقدها خاصة بمعزوفات موزارت إلا أنها شملت موسيقاريين عالميين مثل بيتهوفن و تشايكوفسكي ، أخذنا تفاصيل الزمان المكان ، وفي الوقت المحدد كنا على مدخل المسرح والذي أقيمت فيه حفلة تاريخية في اللحظات التي سبقت دخول العام 2000م ، أخذنا أحد المنظمين لمقاعدنا المخصصة وكنا على إطلالة مباشرة للفرقة الموسيقة ، كانت القاعة "القاعة الذهبية" تحمل عبقا تاريخيا وثقافيا وتعتبر أحد أشهر القاعات الموسيقية في العالم ضمن ثلاث قاعات أخرى ، أعادت تلك الأوتار للنفس بهجتها ، فلم أكن أصدق أنني أستمع مباشرة لتلك الأنغام التي صنعتها أنامل موزارت أو بيتهوفن بعبقريتهم التي لم توقفها إعاقة أو تعرقلها مشاكل الحياة التي عايشوها .
في اليوم التالي قررنا أن نأخذ جولة سياحية في المدينة عبر الباص السياحي والذي تعلمنا أن نعتمد عليه في أي مدينة سياحية كونه أعرف بالأماكن السياحة مع إعطاء نبذة عن كل مكان سياحي ، لاحظنا كثرة السياح من دول أسيا وخاصة من اليابان والذين خُصصت لهم نشرات خاصة بلغاتهم ، إستقلينا الباص السياحي والتي كانت موزعة في مساراتها حسب الأماكن السياحية ، مررنا على العديد من المتاحف والمؤسسات الأكاديمية الفنية والثقافية و"منظمة الأوبك" واختتمنا زيارتنا ببرج الدانوب والذي يبلغ أكثر من 250م بإطلالة جميلة على جزء كبير من مدينة فيينا ، تتجلى روعة المدينة خلال هذه الإطلالة حيث يغلب اللون الأخضر على مسطحات المدينة فيما تتنافس مدننا الخليجية فيما بينها بغابات الإسمنت ، في بريطانيا تظهر الجمعيات والجماعات وربما الحكومة ذاتها مدافعة عن البيئة بسن القوانين التي تحد من استخدام أكياس البلاستيك في الأسواق وتشجع على نشر ثقافة الإهتمام بزيادة المسطحات الخضراء ، في لندن وحدها التي تعتبر محط أنظار رجال الأعمال ورقعة الإقتصاد العالمي تحتل المساحة الخضراء نسبة كبيرة منها قد تنافس المساحة التجارية رغم غلاء المتر المربع ، وبالقرب من أشهر شارع تجاري في أوروبا "شارع أكسفورد" وبمحاذاة حي الأثرياء "المايفير" وبالقرب من قصر باكنقهام توجد أكبر حديقة خضراء عامة في لندن هي الهايد بارك خصصت للعامة رغم إمكانية إستغلال المكان تجاريا !.
في الليل عدنا إلى الفندق كنت على موعد مع ليلة أودع فيها فيينا ، أضافت هذه المدينة الشئ الكثير إلى ذاكرتي كما هذبت بنغمها الجميل أعماق روحي ، لم أكن أتوقع أن تفاصيل شوراعها وألحان أوتارها ونسمات جوها العليل ستبقى في ذاكرتي حتى كتابة هذه الأحرف التي تتوشح بعبق هذه المدينة ، كم أغبط المهندس علي النعيمي حين يعانقها بإستمرار لولا أنه يعكر نسيمها العليل برائحة النفط .














السبت، ١١ أكتوبر، ٢٠٠٨




السبت، ٢٠ سبتمبر، ٢٠٠٨

جولة في سالزبورغ ..مدينة الثقافة والفن .. مذكراتي الخاصة عن رحلتي إلى النمسا ( 15 )


مازلنا نسير على خطتنا السياحية بدقة ، فبعد قضاء يومين في انترلاكن ، كان لابد أن نودعها متجهين إلى النمسا وتحديدا إلى زيلامسي ، وكعادتي في الوداع أكتفي بنظرات فقط !. لاأعتقد أنني سأنسي هذه المدينة - انترلاكن- بسحرها الريفي وبهدوئها الذي نقى أعماقي مما علق بها خلال سنوات ، عرفت قدرة المسطحات الخضراء والأجواء العليلة على محو صورة الصحراء بعواصفها ورمالها وحرارة أجوائها ، وكأني بأحدهم ينكر علي كرهي وبغضي للصحراء ! نعم أكرهها ، فليس هنالك مايبعث الروح وينقي النفس ويبشر بالحياة فيها ، ليس في الصحراء سوى الظمأ والظلم والجفاف والجهل . في طريقنا للخروج من سويسرا مررنا بمدينة "زيورخ" المدينة التي فازت لمرات عديدة بالمرتبة الأولى كأفضل مدينة للمعيشة لما تتميز به من هدوء ونظافة وتنظيم وجاذبية ، كما يوجد بها أفضل الخدمات المصرفية ، لم يكن لدينا سوى أقل من ساعتين للتجول في المدينة انتظارا للقطار الآخر الذي سيقلنا إلى مدينة زيلامسي في النمسا ، أخذنا جولة سريعة على أحد أهم وأطول الشوارع التجارية في زيورخ المؤدي إلى بحيرة زيورخ الجميلة ، ويشتهر هذا الشارع بالماركات العالمية الشهيرة ، توجهنا بعد ذلك لبحيرة زيورخ الجميلة والتي تظاهي بحيرة جنيف في جمالها وروعتها . تحركنا من زيورخ في الموعد المحدد ، ورغم طول الرحلة إلا أنها كانت ممتعة بسبب مرورنا بمناظر ومشاهد جميلة كانت مسلية لنا طول رحلتنا ، وصلنا زيلامسي ونزلنا المحطة متوقعين أن هنالك خطوات إجرائية كوننا قادمون من دولة أخرى ، إلا أننا تفجأنا بعدم وجود أيا من ذلك ، توجهنا إلى مسكننا مشيا على الأقدام وقد صادف وصولنا مهرجانا في ذات المدينة استمر إلى ساعة متأخرة من الليل ، لم تكن المدينة مختلفة كثيرا في معالمها عن مدينة انترلاكن السويسرية ، غير أن عاملها المشترك هو السائحة الخليجية بأزيائها الصارخة و"مكياجها" النافر وكأنها في طريقها إلى حفلة ليلية ، دائما ما أتساءل : ألا يغرن من نساء ذات البلد حين يخرجن بلا ألوان أو ديكور ومع ذلك يبزهن بجمالهن الطبيعي ؟! . طرح صديقي فكرة زيارة مدينة "سالزبورغ" في اليوم التالي ، وصادفت هذه الفكرة رغبة داخلية في زيارة منزل الموسيقار العالمي الشهير "موزارت" ، وافقت على الفور ، وانطلقنا في صباح اليوم التالي متوجهين إلى "سالزبورغ" ، لم تواجهنا مشكلة المواصلات قط في أوروبا ، ليس هنالك مكان يستحيل الوصوله إليه ، جميع الخيارات متوفرة للوصول إلى أي مدينة نفكر فيها ليلا ، فيما لم أجد وسيلة غير سيارتي الخاصة للوصول إلى بيت الله الحرام من قريتي الصغيرة التي تقع على طريق دولي . وصلنا سالزبورغ ، وعلى الفور اشتركنا في جولة سياحية لمدة ساعة ونصف اختصرت علينا الكثير ، كانت المدينة غالية جدا بسبب سمعتها السياحية التي اكتسبتها كونها مدينة للموسيقى إضافة إلى اشتهارها بكونها مكانا للفلم الشهير الذي لم أسمع عنه إلى هنالك وهو "The Sound of Music " والذي جذب خلال سنوات أكثر من أربعين مليون سائحا على حد قول مرشدتنا التي كانت تذكر المدينة بكل شئ حسن حتى في محادثاتنا الجانبية لدرجة أنها كانت تحاول اقناعنا للجلوس يوم آخر في المدينة لاستكشافها بشكل أكبر ، كانت تعطينا إجابات مفصلة لأسئلتنا القصيرة . كانت المدينة حيوية بكثرة سياحها وبكثرة الموسيقى التي كنا نجدها حية في كل شارع ، وكانت تبعث في الحيوية و"السلطنة" ، كنت متلهفا لزيارة منزل الموسيقار موزارت ، وفي طريقنا للمنزل استوقفتنا فرقة موسيقية كلاسكسية كانت تعزف مقطوعة موسيقية كلاسيكية لموزارت ، تبعث الموسيقى الكلاسيكية على التأمل والإنشراح ، كثيرا ماأتساءل عن تراثنا الموسيقي الذي يرتقي لأن يكون عملا عالميا .. ولم أجد !. توجهنا لمنزل موزارت والذي شهد مولده وطفولته فقط ، رأينا أول "بيانو" عزف عليه كما تعرفنا على كثير من مستلزماته الخاصة إضافة إلى بعض جوانب حياته ، كانت المدينة تصغي لمقطوعاته الموسيقية التي تعزفها الفرق الموسيقية والأشخاص دون مقابل إلا من بعض النقود التي يرميها المارة والمستمعون ، كما تنتشر التذاكر للحفلات الموسيقية في أرجاء المدينة ، إضافة إلى الكثير من التذاكر التي تخص المسرحيات الموسيقية والعروض الشعبية والفنية في مسارح مفتوحة ، لايمكن أن يكون للملل ومفرداته مكان في سالزبورغ .









الأحد، ١٠ أغسطس، ٢٠٠٨

صفاء النفس في جنة "إانترلاكن" السويسرية الساحرة .. مذكراتي الخاصة عن رحلتي إلى سويسرا ( 14 )



كان صباحا سويسريا جميل ابتدأته بمداعبة الخبز الريفي مع الجبن السويسري والعسل ، قمنا بتسليم مفتاح الغرفة إيذانا بالمغادرة دون أن يكون هنالك أي تفيش كما يحدث كثيرا هناك ، توجهنا لمحطة القطار حيث الرحلات على مدار الساعة إلى المدينة المجاورة "انترلاكن" ، كنت أتمنى أن أمكث وقتا أكثر في جنيف لاستنشقها كما استنشقت لندن بمعالمها وشخصياتها ، صعدنا القطار بعدا أن تأكدنا من موعد الرحلة والتي قد تتأخر دقيقة أو دقيقتين أو أكثر بعكس قطارات لندن التي تأتي في الوقت المحدد وتكاد أحيانا أن تقفل أبوابها قبل أن ندخلها صديقي وأنا ، غير أن مايميز قطارات سويسرا عن بريطانيا هو فخامتها وجودتها ، كانت الرحلة إلى العاصة "بيرن" ومن ثم إلى مدينة "انترلاكن" ، نزلنا في محطة بيرن انتظارا للقطار الذي سيقلنا إلى "انترلاكن" ، صادفنا عائلة سورية من أب وأم وأربعة أبناء في ضيافة عجوز سويسرية ، طلبت مني العجوز أن أبعد حقيبتي لتتمكن من الجلوس ، بعدها سألتني عن موطني فأخبرتها أنني من السعودية ، حينها سمعتني المرأة السورية ودخلت معنا في الحوار ، أخبرتني فيما بعد بأنهم قدموا إلى هنا بحثا عن العمل وأنهم تعلموا اللغة الألمانية خلال ثمانية شهور فقط كونوا فيها علاقة جيدة مع العجوز "كريستينا" والتي استضافتهم في رحلة خاصة على إحدى البحيرات السويسرية ، كانت المرأة السورية وزوجها يتحدثون عن أملهم في مستقبل أولادهم والذين سيتقنون خمس لغات بعد إنتهائهم من دراسة المرحلة العليا التي تعادل المرحلة الثانوية لدينا في السعودية ، تولدت لدي لحظتها رغبة عارمة في تعلم اللغة الألمانية والتي تشترك في مفردات كثيرة مع اللغة الإنجليزية فيما لازال الخلاف قائما لدينا حول تأثير تعلم لغة أخرى في المرحلة الإبتدائية على عقيدة الطالب !.

وصلنا "انترلاكن" وما أن خرجنا من محطة القطار حتى تفاجأنا بالمناظر الساحرة والطبيعة الخلابة والهواء المنعش وكثرة السياح ، أزالت النسمات الرقيقة كل هموم وأتعاب السنة الماضية ، كان الفندق قريب جدا من محطة القطار الغربية حيث يوجد محطة قطار شرقية في قرية لاتتجاوز مساحتها أحد أحياء الرياض ، وصلنا الفندق وكالعادة أنهينا الإجراءات بسرعة كبيرة دون توصيات أو أسئلة تطفلية ، لم أستطع أن أقاوم الرغبة في التجول في المدينة في يوم وصولنا ، كانت المدينة صغيرة جدا لكنها تتميز بهدؤها ورقتها التي جعلت منها مدينة مناسبة جدا للإستجمام والراحة وممارسة الهوايات كالتسلق والتزلج والطيران الشراعي ، قررنا الذهاب إلى قمة جبلية تتطل مباشرة على "انترلاكن" وفي طريقنا إلى مدخل القمة شاهدت النهر الذي يخترق المدينة بزرقته التي أدهشتني حيث أنني لم أرى نهرا بزرقته سوى تلك الأنهار التي كنا نرسمها أيام الطفولة في حصة التربية الفنية التي تجاهد البقاء كمادة فنية مع باقي مواد الحفظ ، صعدنا القمة عبر قطار يمر بسكة حديد تحتفل هذا العام بمرور 100 عام على تأسيسها ، تعجبت كثيرا من قدرة هؤلاء قبل 100 عام على تشييد هذه السكة التي تصعد بنا إلى ارتفاع 1300 متر في أقل من ربع ساعة بإنحدار حاد ، وعندما وصلت القمة أسرني جمال من المدينة أو القرية كما يسميها صديقي ، إلتقطت كثير من الصور فيما عيني غير مصدقة لما تشاهد من مناظر ساحرة وهي التي اعتادت لسنوات على مشهد الصحراء التي لا أحبها ولا أفكر أن أحبها .


سألني صديقي عن أول من اكتشف هذا المكان الجميل من العرب ، أخبرته أن العرب لايكتشفون ، لكنني متيقن بأن السائح الخليجي خصوصا ساهم في دعم السياحة في في سويسرا كما أشار تقرير قرأته قبل زيارتي لها ، الخليجي قد يكون من أكثر عملاء فنادق الخمس نجوم ، والخليجي هو الزبون المتردد على محلات الساعات الفاخرة التي أكتفي بمشاهدتها فيما هي في المشهد العربي أغلى وأنفس من الوقت ذاته ، همست في أذن صديقي بأنني لن أشتري ولن أستطيع أن أشتري ساعة بهذا السعر بعد أن شاهدت أسعارها الخيالية .


كان من ضمن خطتنا أن نذهب لأعلى قمة في أوروبا "يونفرو" التي يبلغ ارتفاعها أكثر من 3400 متر في قمة يكسوها الجليد وفي طريق يكسوه اللون الأخضر بلا استثناء ، قمنا بقطع التذكرة لرحلة تزيد على الست ساعات ، صحوت في الصباح الباكر وكلي لهفة لهذه الرحلة التي ستصعد بي لأعلى قمة في جبال الألب الجملية ، وبالفعل لم تكد تكمل الساعة العاشرة دقيقتها الأخيرة حتى حجزت مقعدي في القطار الجبلي ، ومن محطة لمحطة كنا نتوقف لتبديل القطار وكنت أنا أستغلها فرصة في إلتقاط بعض الصور التي أخبرونا أنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة ! إلتقطت الكثير من الصور حتى انتهت بطارية الكاميرا والتي كادت أن تحول رحلتي إلى بؤس لولا أنني تذكرت أنني أحمل جولا بكاميرا والتي لم استخدمها إلا قليلا ، واصلنا الصعود للقمة وفي كل مرة يشتد البرد حتى وصل إلى أقل من درجة الصفر في أعلى القمة البيضاء ، صادفت في طريقي للقمة بعض الأغنام التي تحمل في عنقها أجراسا ذركتني بحياة "هايدي" في قصتها الشهيرة التي جرت أحداثها في جبال الألب تذكرت معها أيام الطفولة الجميلة ، وبعد أن وصلت القمة كنت أرتجف من شدة البرد، دخلنا متحف الثلج الذي كان يحتوي نقوشا بارعة ومتقنة ، التقطت بواسطة جوالي البائس بعض الصور ذات الخلفية المكسوة بالثلج ، في ذات اللحظة أرسل لي أخي رسالة يبشرني فيها بالرياح الرملية التي تمحو كل ذكرى تحمل بياض الثلوج .


كنت أتأمل بجميع جوارحي في المناظر التي صادفتني في طريق الذهاب والإياب ، أصدقكم القول أنني تمنيت أن أملك قيمة عشر ساعات باهضة الثمن من ماركة "رولكس" لأشتري بها كوخا في "انترلاكن" فيما أصحاب الأموال لايفكرون إلا في مضاعفتها على حساب الفقراء ! أعترف لكم أن الريف السويسري قد حدد لي معالم قليلة من جنة الآخرة ، فهم الآن يعيشون الآن في جنة الله في أرضه .


أعترف لكم أيضا بأن مدينة "انترلاكن" مدينة فريدة في حياتي رغم زيارتي لمدن ماليزية كنت أعتبرها الأجمل إلا أن "انترلاكن" بهدوؤها ورقتها وجمالها وسحرها قد استحلت مساحات من قلبي ، لم أصدق أو لا أريد أن أصدق صديقي حين قال لي أن الليلة هي آخر ليلة لنا في "انترلاكن" قضيت جزءا كبيرا من تلك الليلة في بلكونة الفندق أتأمل ليل "انترلاكن" بجبالها التي أسرتني وأنستني موعد العودة إلى قريتي "الحبيل"! لكنني أدركت الواقع وحزمت حقيبتي المسكينة مبكرا استعدادا للذهناب لقرية "زيلامسي" في النمسا .