"بــــــــاي بـــــــاي لــندن !!".. مذكراتي الخاصة عن رحلتي إلى بريطانيا ( 18 )

ولو كان لي أدنى اتصال بغازي القصيبي سفيرنا السابق في لندن ، لاستأذنته في سرد مقاله بذات العنوان هنا مع استبدال مفردة طالب بـ "السفير".
غدا أودع لندن وما أمره من وداع ، على الرغم من أن وتيرة الحياة هنا لاتسمح بأدني حس روحي ، كيف لي أن أودعها وأنا لا أستطيع أنا أستقطع من وقتي دقائق خوفا من أن يفوتني قطار محطة "الباديتقتون" المتجه نحو مطار "هيثرو" ، وهناك في ذلك المطار للمشاعر قصة أخرى ، ملايين المشاعر تتبادل وتتنافر وتتلاقى وأخيرا تتفارق .
كان قدري أن أتوه قليلا في اليوم ماقبل الأخير لأعبر بقرب السفارة السعودية القابعة في أرقى أحياء لندن: حي "المايفير" ، وهي التي كانت عبارة عن منزل للندني شهير باعه من الحكومية السعودية بمبلغ 50 مليون جنيه إسترليني ، حدثني صديقي الكويتي أن حديقة سفارتهم هي حديقة الهايد بارك ، أخبرته بدوره أن سفارتنا تقع في "البلوك" الأهم حيث يتمنى أثرياء ومشاهير السكن هنالك للحصول على عنوان عالمي يعرفه الكثير .
كل ذلك لايهمني بقدر مايهمني هو ذلك الركن الحر الذي لايبعد كثيرا عن حي "المايفير" حيث تتلقى الملكة الشتائم والمدائح دون أن يجرؤ جندي المساس بذاك العربي أو الأفريقي الشاتم ، أية أنظمة تلك التي منحت ذلك الإسلامي المتطرف أن يروج لمنهجه دون أن يمسه أحد احتراما للموروث الديموقراطي لبريطانيا ، ألا يستحق مني ذلك الركن "ركن المتحدثين" أن أقولك له وداعا .
أما هنالك على ضفة نهر التايمز حيث المتعة والبهجة ، الكثير يتسولون المال مقابل البهجة ، فيما نحن نتسول البهجة مقابل القليل من المال ، هنالك من يخلق البسمة ، وهنالك من يصنع السعادة في ثوان ويدخلها في قلوب المارة ، كل ذلك دون أن يعكر سوف البسمة ناعق باسم الفضيلة ، أو داعية يحذر من نار لايخافها هو ، ألا يحق لي أن أقول لهذا الشارع : وداعا.
في لندن ، أستطيع السفر لأي مدينة حول العالم في عملية لاتستغرق مني الساعة ، أستطيع أن أسافر إلى "الغردقة" التي ربما لم يزرها نصف المصريين ، وذلك من أحد مطارات لندن عبر حجز لايستغرق الدقائق الخمس ، أستطيع أن أسافر عبر أربعة مطارات دولية تصلها جميع وسائل النقل عبر الساعة ، وأنا الذي لاأستطيع السفر لأقدس البقاع من مثلث "القوز" سوى ساعة بعد الفجر ومثلها بعد العصر ، ألا يحق أن أودع لندن بتسهيلاتها التي لم أجدها حتى في بعض العواصم الأوربية الأخرى ؟!.
في لندن تتحول إجازة الأسبوع إلى حفلة أسبوعية للثقافة والغواية ، حفلة للهروب والقدوم ، وما أن تشرق شمس الأثنين ، حتى تتحول لندن إلى إنضباط وعمل بما فيها الملحقية الثقافية السعودية في لندن التي تجاهد هذه الأيام أن تمارس النظام رغم إدمان الفوضى ، وهنا سأودع النظام بدل أن أضيع عبارات الوداع في وداع وجه آخر من وجوه لندن.
في أي شارع في بريطانيا ، يسير الشخص بعزته وحريته التي وجدت معه منذ خلقه ، لايصادف أحدا يسأله عن طوال بنطاله ، أو شكل فنيلته ، أو يحاسبه إن صلى للله في الوقت المحدد ، لايصادف أحد يحاكمه في عدد ركعاته أو يحسب له عدد تسبيحاته ، وهنا أقولها من قلبي : وداعا.
وداعا لندن ، ومن الغباء الممزوج بالغرور إن ضننت أن لندن ستلتفت لي ثانية واحدة وهي التي لم تلتفت لسفيرها دقيقة واحدة ، ذلك الذي عاش فيها شبابه وجزء من خمسينيات عمره ، سأفتقدك يوميا في ساعات الداوم وساعات العبادة ، لكنني سألعنك في بضع ساعات ، وعذرا .. فأنتي لاتعيرين اهتماما لأحد ، ولاتدعين حتى وصلا.






























