20 سبتمبر، 2008

جولة في سالزبورغ ..مدينة الثقافة والفن .. مذكراتي الخاصة عن رحلتي إلى النمسا ( 15 )


مازلنا نسير على خطتنا السياحية بدقة ، فبعد قضاء يومين في انترلاكن ، كان لابد أن نودعها متجهين إلى النمسا وتحديدا إلى زيلامسي ، وكعادتي في الوداع أكتفي بنظرات فقط !. لاأعتقد أنني سأنسي هذه المدينة - انترلاكن- بسحرها الريفي وبهدوئها الذي نقى أعماقي مما علق بها خلال سنوات ، عرفت قدرة المسطحات الخضراء والأجواء العليلة على محو صورة الصحراء بعواصفها ورمالها وحرارة أجوائها ، وكأني بأحدهم ينكر علي كرهي وبغضي للصحراء ! نعم أكرهها ، فليس هنالك مايبعث الروح وينقي النفس ويبشر بالحياة فيها ، ليس في الصحراء سوى الظمأ والظلم والجفاف والجهل . في طريقنا للخروج من سويسرا مررنا بمدينة "زيورخ" المدينة التي فازت لمرات عديدة بالمرتبة الأولى كأفضل مدينة للمعيشة لما تتميز به من هدوء ونظافة وتنظيم وجاذبية ، كما يوجد بها أفضل الخدمات المصرفية ، لم يكن لدينا سوى أقل من ساعتين للتجول في المدينة انتظارا للقطار الآخر الذي سيقلنا إلى مدينة زيلامسي في النمسا ، أخذنا جولة سريعة على أحد أهم وأطول الشوارع التجارية في زيورخ المؤدي إلى بحيرة زيورخ الجميلة ، ويشتهر هذا الشارع بالماركات العالمية الشهيرة ، توجهنا بعد ذلك لبحيرة زيورخ الجميلة والتي تظاهي بحيرة جنيف في جمالها وروعتها . تحركنا من زيورخ في الموعد المحدد ، ورغم طول الرحلة إلا أنها كانت ممتعة بسبب مرورنا بمناظر ومشاهد جميلة كانت مسلية لنا طول رحلتنا ، وصلنا زيلامسي ونزلنا المحطة متوقعين أن هنالك خطوات إجرائية كوننا قادمون من دولة أخرى ، إلا أننا تفجأنا بعدم وجود أيا من ذلك ، توجهنا إلى مسكننا مشيا على الأقدام وقد صادف وصولنا مهرجانا في ذات المدينة استمر إلى ساعة متأخرة من الليل ، لم تكن المدينة مختلفة كثيرا في معالمها عن مدينة انترلاكن السويسرية ، غير أن عاملها المشترك هو السائحة الخليجية بأزيائها الصارخة و"مكياجها" النافر وكأنها في طريقها إلى حفلة ليلية ، دائما ما أتساءل : ألا يغرن من نساء ذات البلد حين يخرجن بلا ألوان أو ديكور ومع ذلك يبزهن بجمالهن الطبيعي ؟! . طرح صديقي فكرة زيارة مدينة "سالزبورغ" في اليوم التالي ، وصادفت هذه الفكرة رغبة داخلية في زيارة منزل الموسيقار العالمي الشهير "موزارت" ، وافقت على الفور ، وانطلقنا في صباح اليوم التالي متوجهين إلى "سالزبورغ" ، لم تواجهنا مشكلة المواصلات قط في أوروبا ، ليس هنالك مكان يستحيل الوصوله إليه ، جميع الخيارات متوفرة للوصول إلى أي مدينة نفكر فيها ليلا ، فيما لم أجد وسيلة غير سيارتي الخاصة للوصول إلى بيت الله الحرام من قريتي الصغيرة التي تقع على طريق دولي . وصلنا سالزبورغ ، وعلى الفور اشتركنا في جولة سياحية لمدة ساعة ونصف اختصرت علينا الكثير ، كانت المدينة غالية جدا بسبب سمعتها السياحية التي اكتسبتها كونها مدينة للموسيقى إضافة إلى اشتهارها بكونها مكانا للفلم الشهير الذي لم أسمع عنه إلى هنالك وهو "The Sound of Music " والذي جذب خلال سنوات أكثر من أربعين مليون سائحا على حد قول مرشدتنا التي كانت تذكر المدينة بكل شئ حسن حتى في محادثاتنا الجانبية لدرجة أنها كانت تحاول اقناعنا للجلوس يوم آخر في المدينة لاستكشافها بشكل أكبر ، كانت تعطينا إجابات مفصلة لأسئلتنا القصيرة . كانت المدينة حيوية بكثرة سياحها وبكثرة الموسيقى التي كنا نجدها حية في كل شارع ، وكانت تبعث في الحيوية و"السلطنة" ، كنت متلهفا لزيارة منزل الموسيقار موزارت ، وفي طريقنا للمنزل استوقفتنا فرقة موسيقية كلاسكسية كانت تعزف مقطوعة موسيقية كلاسيكية لموزارت ، تبعث الموسيقى الكلاسيكية على التأمل والإنشراح ، كثيرا ماأتساءل عن تراثنا الموسيقي الذي يرتقي لأن يكون عملا عالميا .. ولم أجد !. توجهنا لمنزل موزارت والذي شهد مولده وطفولته فقط ، رأينا أول "بيانو" عزف عليه كما تعرفنا على كثير من مستلزماته الخاصة إضافة إلى بعض جوانب حياته ، كانت المدينة تصغي لمقطوعاته الموسيقية التي تعزفها الفرق الموسيقية والأشخاص دون مقابل إلا من بعض النقود التي يرميها المارة والمستمعون ، كما تنتشر التذاكر للحفلات الموسيقية في أرجاء المدينة ، إضافة إلى الكثير من التذاكر التي تخص المسرحيات الموسيقية والعروض الشعبية والفنية في مسارح مفتوحة ، لايمكن أن يكون للملل ومفرداته مكان في سالزبورغ .









10 أغسطس، 2008

صفاء النفس في جنة "إانترلاكن" السويسرية الساحرة .. مذكراتي الخاصة عن رحلتي إلى سويسرا ( 14 )



كان صباحا سويسريا جميل ابتدأته بمداعبة الخبز الريفي مع الجبن السويسري والعسل ، قمنا بتسليم مفتاح الغرفة إيذانا بالمغادرة دون أن يكون هنالك أي تفيش كما يحدث كثيرا هناك ، توجهنا لمحطة القطار حيث الرحلات على مدار الساعة إلى المدينة المجاورة "انترلاكن" ، كنت أتمنى أن أمكث وقتا أكثر في جنيف لاستنشقها كما استنشقت لندن بمعالمها وشخصياتها ، صعدنا القطار بعدا أن تأكدنا من موعد الرحلة والتي قد تتأخر دقيقة أو دقيقتين أو أكثر بعكس قطارات لندن التي تأتي في الوقت المحدد وتكاد أحيانا أن تقفل أبوابها قبل أن ندخلها صديقي وأنا ، غير أن مايميز قطارات سويسرا عن بريطانيا هو فخامتها وجودتها ، كانت الرحلة إلى العاصة "بيرن" ومن ثم إلى مدينة "انترلاكن" ، نزلنا في محطة بيرن انتظارا للقطار الذي سيقلنا إلى "انترلاكن" ، صادفنا عائلة سورية من أب وأم وأربعة أبناء في ضيافة عجوز سويسرية ، طلبت مني العجوز أن أبعد حقيبتي لتتمكن من الجلوس ، بعدها سألتني عن موطني فأخبرتها أنني من السعودية ، حينها سمعتني المرأة السورية ودخلت معنا في الحوار ، أخبرتني فيما بعد بأنهم قدموا إلى هنا بحثا عن العمل وأنهم تعلموا اللغة الألمانية خلال ثمانية شهور فقط كونوا فيها علاقة جيدة مع العجوز "كريستينا" والتي استضافتهم في رحلة خاصة على إحدى البحيرات السويسرية ، كانت المرأة السورية وزوجها يتحدثون عن أملهم في مستقبل أولادهم والذين سيتقنون خمس لغات بعد إنتهائهم من دراسة المرحلة العليا التي تعادل المرحلة الثانوية لدينا في السعودية ، تولدت لدي لحظتها رغبة عارمة في تعلم اللغة الألمانية والتي تشترك في مفردات كثيرة مع اللغة الإنجليزية فيما لازال الخلاف قائما لدينا حول تأثير تعلم لغة أخرى في المرحلة الإبتدائية على عقيدة الطالب !.

وصلنا "انترلاكن" وما أن خرجنا من محطة القطار حتى تفاجأنا بالمناظر الساحرة والطبيعة الخلابة والهواء المنعش وكثرة السياح ، أزالت النسمات الرقيقة كل هموم وأتعاب السنة الماضية ، كان الفندق قريب جدا من محطة القطار الغربية حيث يوجد محطة قطار شرقية في قرية لاتتجاوز مساحتها أحد أحياء الرياض ، وصلنا الفندق وكالعادة أنهينا الإجراءات بسرعة كبيرة دون توصيات أو أسئلة تطفلية ، لم أستطع أن أقاوم الرغبة في التجول في المدينة في يوم وصولنا ، كانت المدينة صغيرة جدا لكنها تتميز بهدؤها ورقتها التي جعلت منها مدينة مناسبة جدا للإستجمام والراحة وممارسة الهوايات كالتسلق والتزلج والطيران الشراعي ، قررنا الذهاب إلى قمة جبلية تتطل مباشرة على "انترلاكن" وفي طريقنا إلى مدخل القمة شاهدت النهر الذي يخترق المدينة بزرقته التي أدهشتني حيث أنني لم أرى نهرا بزرقته سوى تلك الأنهار التي كنا نرسمها أيام الطفولة في حصة التربية الفنية التي تجاهد البقاء كمادة فنية مع باقي مواد الحفظ ، صعدنا القمة عبر قطار يمر بسكة حديد تحتفل هذا العام بمرور 100 عام على تأسيسها ، تعجبت كثيرا من قدرة هؤلاء قبل 100 عام على تشييد هذه السكة التي تصعد بنا إلى ارتفاع 1300 متر في أقل من ربع ساعة بإنحدار حاد ، وعندما وصلت القمة أسرني جمال من المدينة أو القرية كما يسميها صديقي ، إلتقطت كثير من الصور فيما عيني غير مصدقة لما تشاهد من مناظر ساحرة وهي التي اعتادت لسنوات على مشهد الصحراء التي لا أحبها ولا أفكر أن أحبها .


سألني صديقي عن أول من اكتشف هذا المكان الجميل من العرب ، أخبرته أن العرب لايكتشفون ، لكنني متيقن بأن السائح الخليجي خصوصا ساهم في دعم السياحة في في سويسرا كما أشار تقرير قرأته قبل زيارتي لها ، الخليجي قد يكون من أكثر عملاء فنادق الخمس نجوم ، والخليجي هو الزبون المتردد على محلات الساعات الفاخرة التي أكتفي بمشاهدتها فيما هي في المشهد العربي أغلى وأنفس من الوقت ذاته ، همست في أذن صديقي بأنني لن أشتري ولن أستطيع أن أشتري ساعة بهذا السعر بعد أن شاهدت أسعارها الخيالية .


كان من ضمن خطتنا أن نذهب لأعلى قمة في أوروبا "يونفرو" التي يبلغ ارتفاعها أكثر من 3400 متر في قمة يكسوها الجليد وفي طريق يكسوه اللون الأخضر بلا استثناء ، قمنا بقطع التذكرة لرحلة تزيد على الست ساعات ، صحوت في الصباح الباكر وكلي لهفة لهذه الرحلة التي ستصعد بي لأعلى قمة في جبال الألب الجملية ، وبالفعل لم تكد تكمل الساعة العاشرة دقيقتها الأخيرة حتى حجزت مقعدي في القطار الجبلي ، ومن محطة لمحطة كنا نتوقف لتبديل القطار وكنت أنا أستغلها فرصة في إلتقاط بعض الصور التي أخبرونا أنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة ! إلتقطت الكثير من الصور حتى انتهت بطارية الكاميرا والتي كادت أن تحول رحلتي إلى بؤس لولا أنني تذكرت أنني أحمل جولا بكاميرا والتي لم استخدمها إلا قليلا ، واصلنا الصعود للقمة وفي كل مرة يشتد البرد حتى وصل إلى أقل من درجة الصفر في أعلى القمة البيضاء ، صادفت في طريقي للقمة بعض الأغنام التي تحمل في عنقها أجراسا ذركتني بحياة "هايدي" في قصتها الشهيرة التي جرت أحداثها في جبال الألب تذكرت معها أيام الطفولة الجميلة ، وبعد أن وصلت القمة كنت أرتجف من شدة البرد، دخلنا متحف الثلج الذي كان يحتوي نقوشا بارعة ومتقنة ، التقطت بواسطة جوالي البائس بعض الصور ذات الخلفية المكسوة بالثلج ، في ذات اللحظة أرسل لي أخي رسالة يبشرني فيها بالرياح الرملية التي تمحو كل ذكرى تحمل بياض الثلوج .


كنت أتأمل بجميع جوارحي في المناظر التي صادفتني في طريق الذهاب والإياب ، أصدقكم القول أنني تمنيت أن أملك قيمة عشر ساعات باهضة الثمن من ماركة "رولكس" لأشتري بها كوخا في "انترلاكن" فيما أصحاب الأموال لايفكرون إلا في مضاعفتها على حساب الفقراء ! أعترف لكم أن الريف السويسري قد حدد لي معالم قليلة من جنة الآخرة ، فهم الآن يعيشون الآن في جنة الله في أرضه .


أعترف لكم أيضا بأن مدينة "انترلاكن" مدينة فريدة في حياتي رغم زيارتي لمدن ماليزية كنت أعتبرها الأجمل إلا أن "انترلاكن" بهدوؤها ورقتها وجمالها وسحرها قد استحلت مساحات من قلبي ، لم أصدق أو لا أريد أن أصدق صديقي حين قال لي أن الليلة هي آخر ليلة لنا في "انترلاكن" قضيت جزءا كبيرا من تلك الليلة في بلكونة الفندق أتأمل ليل "انترلاكن" بجبالها التي أسرتني وأنستني موعد العودة إلى قريتي "الحبيل"! لكنني أدركت الواقع وحزمت حقيبتي المسكينة مبكرا استعدادا للذهناب لقرية "زيلامسي" في النمسا .

































09 أغسطس، 2008

الطريق إلى جنيف .. مذكراتي الخاصة عن رحلتي إلى سويسرا ( 13 )


من غرفتي في وسط جامعتي في مدينة ليستر شمال لندن قررنا البدء صديقي وأنا في التخطيط لرحلتنا الإستكشافية والتي ستشمل مدينتي جنيف وانترلاكن في سويسرا ومدينتي زيلامسي وفينا في النمسا ، ومن خلال تجربتنا في السفر إلى باريس في الربيع السابق تكونت لدينا خبرة جيدة نتيجة للأخطاء الفادحة التي وقعنا في فيها بسبب الحجز ، تعلمنا أن الأوروبيين يعتمد على الحجز المبكر في تنظيم رحلاتهم وهو ما اعتمدناه في رحلتنا هذه حيث بدأنا بحجز الفنادق قبل شهر من الرحلة وهو موعد لايعتبر مبكرا بالمقاييس الاوروبية والتي تتيح تخفيضا سخيا للحجز المبكر ، كان الحجز سهلا جدا مع توفر مواقع الحجز على شبكة الانترنت حيث تجد فندقا في قرية قصية بزوارها المعدودين مسجلا اسمه في مواقع الحجز الاليكترونية . قررنا أن نقضي يومين في مدينة جنيف والذي يحسبها الكثير عاصمة لسويسرا إلا أنها ليست كذلك رغم شهرتها العالمية التي تفوق بكثير العاصمة السويسرية "بيرن" والتي يسمع عنها القليل ، اكتسبت جنيف سمعتها كونها مقرا سابقا لعصبة الأمم المتحدة وبعض المنظمات الدولية . فيما قررنا أن نقضي يومين في قرية انترلاكن ثم السفر بعد ذلك إلى النمسا . بعد أن حجزنا الفنادق عن طريق الانترنت والذي لايتطلب سوى بطاقة فيزا ، قمنا بحجز رحلات الطيران من لندن إلى جنيف للذهاب ومن فينا إلى لندن للعودة ، لم يكلفنا الحجز مبلغا كبيرا نظرا لاعتمادنا على الطيران الإقتصادي المنتشر في اوروبا والذي يتيح للمسافر الطيران بأسعار رخيصة كلما كان الحجز مبكرا . انطلقنا في صباح لباكر بعد أن أنهينا السنة الأولى والمخصصة للغة ، انطلقنا إلى مطار "قاتويك" في لندن والتي بدورها تحتوي على خمس مطارات أحدها أكبر مطار في أوروبا والثالث عالميا ويتوقع أن يصبح الأول بعد الانتهاء من الصالة الخامسة والتي ستكون أكبر من جميع الصالات ، وصلنا للندن ثم قطعنا التذاكر عن طريق جهاز إلكتروني وذلك للتوجه للمطار مباشر عبر قطار مخصص لذلك ، يعجبني في لندن اهتمامها الكبير بإيصال المسافر إلى مطاراتها عبر قطارات مخصصة لهذا الغرض ، وما إن وصلنا المطار حتى تفاجأت بكبره وتنظيمه الرائع ورغم كبر المطار "قاتويك" إلا أن الانتقال بين صالاته كان سهلا عن طريق القطار السريع الذي يربط صالاته ، وصلنا للصالة الشمالية والتي ستنطلق رحلتنا منها ، وصلنا للكونتر المخصص للشركة التي حجزنا عليها حيث أنهينا كل مايتعلق برحلتنا في أقل من ثلث ساعة ، تجولنا بعدها في المطار الذي يعتبر مطارا دوليا ثانويا رغم تنظيمه الرائع وكبر مساحتها ، ترك هذا المطار انطباعا جيدا عنه بخدماته وتسهيلاته ، تساءلت عن الانطباع الذي يتركه مطار جدة في نفوس الملايين من الحجاج وغيرهم والذين كانوا يظنون أنه من أفضل مطارات العالم !. صعدنا الطائرة الإقتصادية والتي تضاهي بحجمها ونظافتها وترتيبها طائرات ناقلنا الوطني ، وبعد ساعة وربع كنا في مطار جنيف الذي كان مزدحما ورغم ذلك أنهينا إجراءات الجوازات بسرعة كبيرة رغم الإزدحام ، وأول ما لاحظته في المطار هو كثرة الإعلانات التجارية الخاصة بشركات الساعات حيث نجدها في زاوية في المطار ووجدناها فيما بعد في كل زاوية في مدينة جنيف ، ومن المدهش أن مطار جنيف أقل جمالا وتصميما من مطار الرياض إلا أن تعامل موظفيه وانسياب الحركة والتنظيم الرائع أفضل بكثير من ممايحدث في مطار الرياض ، تعاملت أكثر من مرة مع الموظفين هنا في جنيف فكانوا في غاية التقدير والإحترام والرحابة وهذه الحقيقة تغيض أحد أصدقائي الذي يكره أن يعترف بأي خلق حسن "لكافر" أوروبي فيما يختصر كل أخلاقنا في الكرم !. لكنها الحقيقة التي لا أتراجع عن قولها ، ولكي تتأكدوا من ذلك حاولوا أن تتعاملوا مع أحد موظفي الخطوط السعودية والتعامل مع أي موظف في مطارات أوروبا لتعرفوا الفرق وتعاينوه بأنفسكم . استقلينا قطار أوصلنا إلى المحطة الأقرب لفندقنا ، أكلمنا اجراءات الدخول واسترخينا قليلا ثم قررنا أن نتجول قليلا حول بحيرة جنيف والتي توجد فيها نافورة جنيف الشهيرة رغم أنها لاتزيد ارتفاعا عن نافورة جدة ، حاولت أن أعيش داخليا حياة الأغنياء الذين يتواجدون بكثرة في جنيف إلا أن ساندوتشين من الشاورما التركية كانت كفيلة بإبعاد هذا الوهم والتفكير حيث كان سعرها يعادل أكثر من خمسين ساندوتشا في جدة !! لاحظت كثرة محلات الساعات الفاخرة بأسعارها الباهضة والتي يتجاوز سعر الساعة الواحد من ماركة "رولكس" تكاليف رحلتنا بأضعاف وتكاليف دراستي لمرحلة الماجستير بالتمام !!. لاحظت أيضا كثرة السياح من دولة الكويت وقلة السياح من السعودية ، أخبرت صديقي بأن كثير من المسافرين الخليجيون لايعرفون من السفر إلا حجوزات الإنتظار وساعات الليل كما قال الكاتب تركي الدخيل ، وإن كنت لا أمانع من ساعات الليل بأضواءه البهية إلا أن للنهار متعته الخاصة في استكشاف ثقافة البلد عبر رحلات سياحية وهو مالايحبه كثير من الخليجيين ، لاأحب أبدا أن أزور دولة دون أكتشف ثقافتها بتذوق مأكولاتهم والتجول في أسواقهم الشعبية وممارسة أسلوب حياتهم . أخذنا جولة بحرية قصيرة بالقارب لاتتعدى العشر دقائق في بحيرة جنيف حيث نزلنا في الطرف الآخر ، جذبتنا رائحة الشوارما التركية فقررنا أن نتناول وجبة خفيفة كلفتنا ضعف قيمة وجبة دسمة في أحد أفظل مطاعم السعودية ! أدركنا بعدها غلاء المعيشة في جنيف وإن كنا قد اكتسبنا مناعة قوية من غلاء بريطانيا إلا أن سويسرا كانت بالنسبة لنا الأغلى من ناحية المعيشة اليومية على الأقل ، أكملنا جولتنا ثم عدنا للفندق لننام مبكرا حيث موعدنا مع رحلة بحرية في بحيرة جنيف . صحونا في الصباح الباكر وتناولنا وجبة الإفطار في الفندق حيث الخبز الريفي الذي يعجبني ولايعجب صديقي ، ذهبنا بعد ذلك للكشك المخصص لبيع التذاكر البحرية واخترنا لرحلة بحرية لمدة ست ساعات ستتوقف الباخرة خلالها في قرية فرنسية تطل على بحيرة جنيف ، اعتقدنا في البداية أن الرحلة ذهبا ستكون طويلا إلا أنها كانت أقصر مما نتوقع بكثير ، وصلنا القرية الفرنسية التي تطل على بحيرة جنيف واسمها باللغة الفرنسية "Yvoire" ورغم صغر القرية إلا أنها كانت مكتظة بالسياح ومجهزة بالخدمات السياحية ، ولاحظنا أن المحافظة كان سمة القرية حيث لم نجد أي مطعم من المطاعم العالمية ، ولاحظنا الزهور الجميلة معلقة في أرجاء القرية ، قررنا تناول وجبة خفيفة فكان الإختيار على الفطائر الفرنسية المفظلة لدي ، اخترنا مطعما شعبيا وطلبنا الفطائر وتناولناها داخل المطعم ، غادرنا المدينة بعد تجولنا في أزقتها وتناولنا فطائرهم وعشنا فيها لحظات من حياتهم الجميلة ، حدثت صديقي أننا نفتقد لمفهوم السياحة في مكة خصوصا ، حيث ملايين الحجاج يأتون ويغادرون ولايعرفون عن الحج والعمرة إلا الحج والعمرة ، تساءلت : لماذا لايكون هناك سوق مخصص للتذكارات الخاصة بأيام الحج ويكون صنعها مكة لا الصين، لماذا لايكون هنالك معرض يخصص لتعريف الحجاج بعمارة الحرمين والثقافة المكاوية والأكلات الشعبية ، لماذا لاتكون هنالك أفلام سينمائية توضح للحجاج مراحل الإسلام وثقافة مكة والمدينة ، لماذا لاتكون هنالك مناسبات خاصة ليرى الحجاج العادات والتقاليد المكاوية والألعاب الشعبية ، عندها سيعود الحجاج إلى أوطانهم وقد تعلموا الشئ الكثير وتعرفوا على ثقافة البلد الذي زاروه وتكون رحلتهم رحلة إيمانية وتثقيفية . غادرنا القرية الفرنسية متوجهين إلى جنيف ، وجنيف مدينة لاتعرف لها وجه محدد ، فكثير من القرى والمدن الفرنسية قريبة جدا منها ، وبعضها يبعد أقل من 60 كلم ، وأهلها يتحدثون اللغة الفرنسية بالإضافة إلى الألمانية وقليل منهم يتحدث الإنجليزية ، وجنيف شهيرة جدا ورغم ذلك فهي ليست العاصمة ، وجنيف مدينة يكثر في الآثرياء ببذخهم ورفاهيتهم ، ويزورها سنويا أكثر من 30 ألف سائح خليجي ، وتمثل السياحة في سويسرا مصدر دخل مهم ، ولايوجد جيش نظامي في سويسرا !. طلبت من صديقي أن نتجول ليلا حول بحيرة جنيف الجميلة ، فمن عادتي أن أرى المدينة ليلا ونهارا ، وقد كانت البحيرة تعج بالسياح والأنشطة حتى ساعة متأخرة ، عدنا بعدها إلى الفندق استعداد للسفر إلى مدينة "انترلاكن" التي تمثل الريف السويسري الساحر الجمال .








القهوة العربية في بريطانيا .. مذكراتي الخاصة عن رحلتي إلى بريطانيا ( 12 )






الصورة بعاليه هي لمنزل رجل عرفت عنه من خلال أحد أصدقائي فمنزله لا يخلو يوما من الأيام من التمر السكري والقهوة العربية ذات الرائحة الفواحة ، التي تتنافس مع رائحة العود الكمبودي والتي تمثل جزءا من ثقافته رحل بها آلاف الأميال من روابي نجد وحتى مسطحات كامبريدج الخضراء ، تلك القهوة التي مثلت رمزا للعادات والتقاليد العربية الأصيلة ، لا كما يتخيل البعض أنها في أوربا رمز للتخلف ، فيما قهوة الاسبريسو تتصدر قوائم المشروبات في أشهر محلات القهوة حول العالم ، كم هو مؤسف أننا لا نفخر ونفاخر في عاداتنا الأصيلة التي نتميز بها ، لنجاري حضارات لسنا من تكوينها، وكم هو مؤلم حين يتحول مفعول القهوة العربية السخي والجلسات العربية التي تربطنا بشكل سحري برائحة الشيح واليشموم والنفل والخزامى والفل والريحان تلك النباتات التي لا تفوح رائحتها في رياض بريطانيا، بل في صحاري الجزيرة التي تنبيك عن صلابة اهلها وعلو همتهم .
لا أنسى حين أنسى تلك الحفلة في معهد اللغة في نوريج حين فاحت رائحة القهوة العربية في أرجاء المعهد فيما المدرسون يشربونها بنهم ويعاودون ملئ الفنجال مرة أخرى ، لايحتم علينا الإندماج مع المجتمات الغربية أن ننسى الكرم والقهوة ورائحة الهيل وصوت أوتار العود بمقاماته .
أكاد أجزم أن مايبنيه بعض المبتعثين من تحسين الصورة يقابلة جهد جبار في هدمها ورسم صورة أخرى تجمع في إطارها مابين الإنحطاط والتشدد ، كنت أردد دائما أن علينا أن نندمج مع المجتمع البريطاني دون أي تكلف نفقد معه قيمنا الإنسانية التي شجعها الإسلام .
شاهدت في الانترنت مقطع تصوير يظهر فيه عدد من الطلاب المبتعثين يقومون يتعليم بعض الطالبات كلمات دونية فيما يحسبنها كلمات تمثل جزءا من لغتنا وتحمسن لتعلمها كجزء من حبهم للتعرف على ثقافة أخرى ، فيما اليابانيون والصينيون يعلموننا اليوقا وألعاب تنشيط الذاكرة وتمارن الدماغ !!. هذا مثال لتشويه الصورة كاملة بأفعال يترفع عنها غيرنا فيما نحن نهتم بالتنظير لمستقبلهم !.
اتصل بي أحد زملائي الذي كان يدرس معي مرحلة اللغة في مدينة 'نورج' وأخبرني غاضبا أن احدى الطالبات من جنسية أوروبية قالت له كلمة 'دونية' تحسبها كلمة حسنة ، غضب زميلي إلا أنه كان محنكا وأدرك على الفور أن أحد الطلاب السعوديون قد علمها إياها بوصفها كلمة حسنة تمثل تحية أو شئ من هذا القبيل !.
كل ذلك كان عن علاقتنا بالآخر الذي احترمنا وقدرنا واستضافنا وعلمنا ، فيما نحن نخونه ونعاديه ونسخر منه ، أحد المبتعثين والذي يدرس في مرحلة الدكتوراه في سنوات تقترب من الخمس نصحني بعد أن 'اتهمني' بصغر سني بأن أكره الأنجليز لأن من يحبهم يجب أن يحب الأمريكان في معادلة لم يتوصل إليها أحد غيره فيما ورقة واحدة من منهج البحث العلمي الذي يدرسه كفيلة بنسف هذا المعادلة .
سأنتقل للطرف الآخر لأتحدث عن ذلك الرجل الذي جسد في الكرم الحاتمي في أكبر من 'خروف مفطح' إلى مساعدات سخية يقدمها لجميع الطلاب المبتعثين قبل وصولهم إلى مقر بعثتهم ، وآخر لم يعر أي اهتمام للقب 'رئيس النادي السعودي' ليمنح اتصاله الدافي لكل مبتعث يصل لمدينه أو يغادرها، إذا هنالك نماذج مشرقة وأخرى غير ذلك تماما، غير أن أحجار الأساس في وطننا لن تحمل في نقوشها سوى تلك الأسماء المشرقة.

15 يونيو، 2008

من الجميعات إلى كامبرديج رحلة كفاح "محمد الشقيفي". مذكراتي الخاصة عن رحلتي إلى بريطانيا ( 11 )



في إحدى ضواحي مدينة كامبريدج قابلت شابا قطع رحلة مثيرة من قرية الجميعات التابعة لمحافظة القنفذة التي تختصر البعد والنسيان إلى واحد من أشهر مستشفيات في العالم في جراحة القلب في مدينة اختصرت معاني الشهرة رغم صغرها ، محمد بحران الشقيفي شاب ولد في وادي يبه وترعرع في وادي حلي المشتهر بالخضرة سابقا دون أن يتوقع بأنه سيتجول معنا ذات يوم في المناطق الساحرة الجمال المحيطة بمنزله الذي يقع قرب هذه المشفى الشهير . تلقيت دعوة من هذا الشاب لتناول "الكبسة السعودية" التي ضاعت هويتها فيما صعدت أكلة السوشي اليابانية لتحجز لها مكانا في قائمة الطعام في عدد من المدن العالمية رغم أن "كبستنا" كانت ستحتل مكانا أفضل لو وجدت المسوق الخبير ، أخبرت بحران أنني في شوق إلى "المرسة الجيزانية" والتي جربها أكثر الطلاب السعوديين في منزل محمد الشقيفي ، قبلت الدعوة دون تردد ، وكيف لي أن أرفض مصافحة الكبسة ومعاركة "المرسة". لم تكن حياة الشقيفي بذات السهولة التي حصل بها على قبول في مستشفى في لندن ، لقد ولد وتربى بأخلاق الوادي الذي يعطي دون مقابل ، لكن لاأحد يعيره اهتماما حين يهجم السيل بغتة وبقوة عارمة ، دخل الشقيفي الإبتدائية في سن متأخرة ، لكنه كان مثابرا وطموحا ، أكمل دراسته الثانوية وكان يطمح في العمل بالقطاع العسكري ، بعد أن صرف النظر عن دراسة الطب لضيق ذات اليد لكن لم يحالفه الحظ الذي أحيانا يسير بالحياة نحو إتجهات عجيبة ، قرر محمد البحث عن عمل ليحسن به معيشته ، غير أن أخاه قام بالتقديم نيابة عنه لدى الكلية الصحية في تخصص التمريض ، لكن محمد كان غير متحمسا وكان يريد تخصص عمليات جراحية ، غير أن المسؤول عن القسم رفض ذلك ، تساءلت حينها : كم شخص مسؤول حجب بإصبعه ضياء أمل ؟. قرر محمد العمل في وظيفة "سكيورتي " التابعة للشركات الأمنية الخاصة ، أخبرني محمد بعد ذلك في منزله في إحدى ضواحي كامبريدج أنه عاني من تعامل كثير من السعوديين عندما كان حارسا لكنه عقب بأسى أن الوضع هنا مختلف جدا في المستشفى حيث قيمة عامل النظافة تمام مثل رئيس قسم الجراحة ! لم أعقب على كلامه كوني أعرف الكثير من الحقائق المخجلة . اتصل شخص على محمد الشقيفي يطلب منه مبادلته في تغير التخصص ، وافق محمد على الفور ، عندها بدأ الدراسة بجد واجتهاد حتى تخرج من الكلية الصحية وتوظف في مستشفى الملك فهد بجدة كفني عمليات بعد أن رفض أن يقتصر عمله على مناولة الأدوات الطبية للجراحين حيث قرر أن يشارك مشاركة فاعلة في أكثر من عملية جراحية ، قام مستشفى الملك فهد بجدة بإرساله ذات يوم من شهر مارس إلى مدينة مانشستر لحضور مؤتمر طبي ، عندها قام الشاب الطموح بقراءة المطبوعات والمنشورات التي يصدرها المؤتمر بحثا عن تخصص مناسب لمرحلة الماجستير ، وقام بسؤال عدد من الأطباء العالميين الذين جاؤا للمشاركة في المؤتمر ، وقع نظر محمد على تخصص الجراحة ، عندها قام بتقديم أوراقه إلى مستشفى مانشستر و جامعة كامبريدج ليحصل بعد ذلك على قبول من جامعة كامبريدج ، حصل محمد على القبول للدراسة في جامعة كانت تدرس "نيوتن" كأحد طلابها ، عانى الشقيفي كثيرا من المشاكل في تنظيم أموره ، أخبرني محمد بأن كثير من أصدقاءه حذروه من صعوبة هذه الجامعة التي تخرج منها نيوتن صاحب قوانين الحركة و داروين صاحب نظرية النشوء والترقي ، لكن محمد تجاهل كل النصائح البريئة والمثبطة .. فقرر المواصلة . والآن بعد كل هذه الرحلة المتعبة ينام محمد في منزله الذي يبعد أمتار عن المستشفى وآلاف الأمتر عن الجميعات ، فيما يتناول "الكبسة السعودية" التي تعدها زوجته بمهارة عالية والتي هي الأخرى تحملت كل تفاصيل هذه الكفاح ، يحدثني محمد بأنه يشعر بالأسى حين يرى أن الأبحاث العالمية تصدر من مبنى صغير لايتجاوز منزلا سكنيا على أطراف الواديين ، بينما المباني الفخمة لدينا ليست سوى فنادق للإستجمام . هذه قصة محمد كتبتها لكل الذين يزورون "شاطئ الجميعات" الجديد والذي تذكروه بعد نسيان طويل عانى من الكثير ، لكل الذين يستنشقون نسمة هواء عليلة أقول لهم : أن بقرب هذا الشاطي الجميل منزل كان مبني من قش وتربي فيه شاب هو الآن متدرب ودارس في مستشفى شهير يعتبر أول مستشفى يجري عملية زرع قلب نابض في جسد مريض في أوروبا ، ومشارك في أدق عمليات القلب الجراحية ، لكل الذين يعتقدون أن الخطوة الأولى نحو مستقبل منير لابد أن تكون على سجاد فخم ، أقول لهم : لابد أن تقرؤا الشقيفي وتتأملوا ملامح وجهه لتعرفوا أن مواجهة السيل العرم ببسالة هي أولى خطوات النجاح ، ولكل الذين لايستطيعون أن يعيشوا في ضاحية نائية يعرفها العالم ولايوجد فيها سعودي أو عربي سوى فلسطيني يشرف على تلميذه الإسرائيلي .. أقول لهم : أن يحتفظوا بخطواتهم وأن يتوجهوا بها نحو ذلك الشاطي الجديد ليشاهدوا كيف انتحر ذلك "الحوت" الكبير بعد أن يئس من حياة ليس فيها حراك المحيطات .